وباب الزقاق الرابطة، وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق فكان الناس في الشوارع والمساجد حتى تعطل بعض الباعة وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور ربما تسلق وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب، وجاء حاجب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين قد عفاني مما أكره، قال: وأصحاب الحبر يكتبون بخبره إلى العسكر، والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم، فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة، وغيرهم، فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ فقال: ذكر وقوفك بين يدي الله فشهق أبو عبد الله، وسالت دموعه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين، قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل، قال: فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح رءوسهم، وعينه تدمع، وأدخلت تحته الطست فرأيت بوله دما عبيطا، فقلت للطبيب: فقال هذا رجل قد فتت الحزن والغم جوفه، واشتدت علته يوم الخميس، ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة، ثقل، وقبض صدر النهار فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع [1] .
* وقال بنان بن أحمد: (حضرت الصلاة على جنازة أحمد بن حنبل يوم الجمعة سنة إحدى وأربعين ومائتين، وكان الإمام عليه محمد بن عبد الله بن طاهر، فأخرجت جنازة أحمد بن حنبل، فوضعت في صحراء أبي قيراط، وكان الناس خلفه إلى عمارة سوق الرقيق، فلما انقضت الصلاة، قال
(1) سير أعلام النبلاء 11/ 336. #