والإشارة بـ «ذلك» إلى «الكتاب» للتنويه على تعظيمه، وكذلك تنكير «رحمة» للتعظيم، أي: لا يقادر قدرها. فالكتاب المتلو مشتمل على ما هو رحمة لهم اشتمال الظرف على المظروف، لأنه يشتمل على إقامة الشريعة، وهي رحمة وصلاح للناس في دنياهم.
ومع أنه معجزة تدل على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وترشد إلى تصديقه كغيره من المعجزات، هو أيضًا وسيلة علم وتشريع وآداب للمتلو عليهم، وبذلك فضل على غيره من المعجزات التي لا تفيد إلا تصديق الرسول الآتي بها.
المزية الرابعة: أشار إليها قوله تعالى: {وَذِكْرَى}
فالقرآن مشتمل على مواعظ ونذر وتعريف بعواقب الأمور، والاستعداد للحياة الثانية، ونحو ذلك مما في تذكره سعادة الدارين، وبذلك فضل على غيره من المعجزات الصامتة، التي لا تفيد أكثر من كون الرسول الذي أتت على يديه صادقًا.
المزية الخامسة: إذا كان القرآن كتابًا متلوًا فيستطيع كل من حذق العربية أن يدرك خصائصه.
فلا يستطيع أي طاعن أن يزعم أنه تخيلات، كما قال قوم فرعون لموسى عليه السلام: {يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ} ] الزخرف: 49 [. وقال تعالى حكاية عن المشركين حين رأوا معجزة انشقاق القمر: {وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} ] القمر: 2 [، فأشار قوله: {يُعْرِضُوا} إلى أن ذلك القول صدر عنهم في معجزة مرئية.