ومع ما تقدم فإن مجرَّد تلاوة القرآن ليست مدعاة ثناء، بل ربما كان الأمر على العكس من ذلك؛ لأن معظم الآيات التي وُجهت إلى بني إسرائيل وعاتبهم الله فيها وأدانهم بها كانت مرتبطة بتلاوتهم الكتاب؛ لأنهم أقاموا حروفه وأضاعوا حدوده.
قال الله تعالى منكرًا عليهم: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 40] . {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: 113] فالتلاوة وحدها لا تكفي.
ووصف الله عز وجل بعض بني إسرائيلا بالأمية؛ لأنهم كانوا لا يعرفون من الكتاب إلا قراءته، دون أداء ما تقتضيه القراءة منهم: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} [البقرة: 78] .
فهم لا يعلمون الكتاب «إلا ما يقرؤون قراءةً عارية من معرفة المعنى وتدبره» [1] .
على حين أنه عز وجل امتدح فريقًا آخر منهم؛ لأنهم يتلون الكتاب حق التلاوة: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة: 121] .
وحق التلاوة: هو تفهم القرآن العظيم وتدبره والتأثر به وإتباعه وإقامته
(1) روح المعاني، (1/ 302) .