وهكذا نرى إلى أي مدى تتشابه هذه الآيات ولا تتكرر. والعجيب حقًا أنه في كلا السورتين كان عدد الآيات (19) آية، إنه تشابه الملامح، كالإخوة الأشقاء وليس التماثل أبدا، وهو التنويع بعينه في عرض الأحداث وإضفاء الجمال والكمال عليها بكل موحياتها [1] .
ومن هنا نعلم أن تكرر القصة في عدة مواضع من القرآن، وعرضها بصور مختلفة- من التقديم والتأخير، والإيجاز والإطناب، وما شابه ذلك- له فوائد وحكم عظيمة، ومن أهمها:
«1 - بيان بلاغة القرآن في أعلى مراتبها: فمن خصائص البلاغة إبراز المعنى الواحد في صور مختلفة، والقصة المتكررة ترد في كل موضع بأسلوب يتمايز عن الآخر، وتصاغ في قالب غير القالب، ولا يمل الإنسان من تكرارها، بل تتجدد في نفسه معان لا تحصل له بقراءتها في المواضع الأخرى.
2 -قوة الإعجاز: فإيراد المعنى الواحد في صور متعددة مع عجز العرب عن الإتيان بصورة منها أبلغ في التحدي.
3 -الاهتمام بشأن القصة لتمكين عبرها في النفس: فإن التكرار من طرق التأكيد وأمارات الاهتمام. كما هو الحال في قصة موسى مع فرعون؛ لأنها تمثل الصراع بين الحق والباطل أتم تمثيل، مع أن القصة لا تكرر في السورة الواحدة مهما كثر تكرارها.
4 -اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة: فتذكر بعض معانيها
(1) انظر: المصدر السابق، (ص 123 - 124) . ويمكن التوسع في هذا البحث بقراءة: دراسات قرآنية، محمد قطب (ص 247 - 261) . سيكولوجية القصة في القرآن، تهامي نقرة (ص 111 - 155) .