141 -قوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: لِيُظْهِرَهم مِن ذنوبهم، وُيسْقِطَها عنهم. وتأويل (المَحْص) - في اللغة -: التَّنْقِيَةُ والتَّخْلِيص.
قرأت على سَعِيد بن محمد الحِيري، فقلت: أَخْبَرَكم أبو علي الفارسي، عن الزجَّاج، قال: سمعت المبَرِّد يقول: (مَحَصَ الحبْلُ، يَمْحَصُ، مَحْصًا) : إذا ذهب زِئْبِرُهُ حتَّى [يَمَّلِصَ]
و (حبْلٌ مَحِصٌ، ومَلِصٌ) ، بمعنًى واحدٍ.
قال: ويُسْتَحَبُّ مِن الفَرسِ أنْ تَمْحَصَ قوائِمُهُ؛ أي: تَخْلُصَ من الرَّهَلِ. وأنشد ابنُ الأنباريِّ - على هذا - لأبي دُوَاد، يَصِف قوائمَ الفرس:
صُمِّ النُّسُورِ صِحاحٌ غيرُ عاثِرَةٍ ... رُكِّبْنَ في مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ
قوله: (في مَحِصَات) ؛ معناه: في قوائمَ مُتَجَرِّداتٍ عن اللحم، ليس فيها إلا العَظْمُ، والعَصَبُ، والجِلْدُ.
قال المُبرِّد: وتأويل قول الناس: (مَحِّصْ عنَّا ذُنُوبَنا) ؛ أي: أذهب ما تَعَلَّقَ بنا مِنَ الذُّنُوب.
وهذا الذي ذكره المبرِّدُ، تأويل (المَحَصِ) - بفتح الحاء - ، وهو واقعٌ، و (المَحْص) - بسكون الحاء - مطاوع.
قال الخليل: يقال: (مَحَصْتُ الشيء َ، أَمْحَصُه، مَحْصًا) : إذا خَلَّصته من كلِّ عَيبٍ. قال رُؤبَةُ - يصف فَرَسا -:
شَدِيدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى
ومِن هذا؛ يُقال للسِّنَانِ المَجْلُوِّ: (مَمْحُوص) . قال أُسَامَةُ الهُذَلِيُّ:
وَشَقّوا بمَمْحُوصِ القِطَاعِ فُؤَادهُ
يعني: بِمَجْلُوِّ النِّصَالِ.
فمعنى قوله: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: لِيُخَلِّصهم مِن ذُنوبهم. وإلى هذا ذَهَب أكثرُ أهلِ المعاني والتفسير.