وقال ابن عباس: يريد: يُمَحِّصَ ذنوبَهم حتى يَلْقَوْهُ؛ وليس لهم قَبْلَهُ سَيِّئَةٌ يعذبهم عليها. ووجه هذا القول: ما قاله أبو عَمْرُو الشيباني: معنى التمحيص في اللغة: الكشف. و (مَحِّصْ عنَّا ذنوبَنا) ؛ معناه: واكشف عنَّا ذنوبَنا. و (تَمَحَّصَ الشيء ُ) : إذا تَكَشَّفَ. وأنشد:
حتى بَدَتْ قَمْرَاؤُهُ وتَمَحَّصَتْ ظَلْمَـ ... ـاؤُهُ ورَأَىَ الطريقَ المُبْصِرُ
وهذا اختيار الفرَّاء؛ لأنه قال: يريد: لِيُمَحِّصَ اللهُ الذنوبَ عن الذين آمنوا.
وعلى هذا القول؛ تقدير الآية: وَلِيُمَحِّصَ الله ذنوبَ الذين آمنوا. فحذف المضاف.
وروى أبو عُبَيْد، عن أبي عَمْرو، قال: التَّمْحِيص: الابتلاء والاختبار. وإلى هذا القول ذهب جماعة من المفسرين: السُّدِّي، ومجاهد، وروي ذلك عن ابن عباس - في بعض الروايات - ، قالوا: {وَلِيُمَحِّصَ} أي: لِيَبْتَلِي. وهذا اختيار القُتَيْبِيِّ.
وقوله تعالى: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} .
(المَحْقُ) في اللغة معناه: النُّقْصَان.
يقال: (مَحَقَهُ اللهُ، فامْتَحَقَ، وامَّحَقَ) .
وقال أبو زيد: (مَحَقَهُ اللهُ) ، و (أَمْحَقَهُ) . والأصمعي يأبى إلّا (محَقَه) . وأما (أَمْحَق) ، فقال أبو عمرو: هو أن يَنْقُصَ ويَدِقَّ، كَمُحَاقِ الهِلالِ.
وأنشد ابن السِّكِّيت:... حتى أنسَّ وأَمْحَقَا
وقال ابن الأعْرَابي - عن المفَضَّل -: (المَحْقُ) - عند العرب -: أن يذهب الشيء ُ كلُّهُ، حتى لا يُرَى مِنْهُ شيء ٌ. ومنه {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} ، أي: يستأصله.
قال أبو إسحاق: ومعنى الآية: جَعَلَ اللهُ الأيَّامَ مُدَاوَلَةً بين الناس؛
لِيُمَحِّصَ اللهُ المُؤْمنينَ، إذا أدَالَ عليهم، بما يقع عليهم مِنْ قَتْلٍ وَجُرْحٍ وذَهابِ مَالٍ. و {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} : يستأصلهم، إذا أدال عليهم، ويهلكهم بذنوبهم.