قالَ أبو منصور: والشهادة - يومئذ - تكون للأفضل فالأفضل مِنَ الأُمَّةِ. فأفضلهم مَن قُتِلَ في سبيل الله؛ أَبَانَهم اللهُ من غيرهم - بالفضل الذي يميَّزوا به - مِن جَمَاعَةِ المؤمنين. وبَيَّن أنَّهم {أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [آل عمران: 169] ، الآية. ثم يتلوهم في الفضل مَنْ عَدَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِنَ المسلمين شهيدا؛ فإنه قال:"المَبْطْونُ شَهِيد، والغرِيق شَهيد".
وذَكَرَ - أيضًا - غيرَ هذين. ويدل على هذا ما رُوي أنَّ النَبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
"مالَكُمْ إذا رَأَيتم الرَّجلَ يُخَرِّقُ أغرَاَض الناس، ألآ تُعَرِّبُوا عليه"؟
فقالوا: نَخَاف لِسَانَهُ يا رَسُولَ الله. فقال:"ذلك [أدْنَى] أنْ لا تَكُونوا شُهَداء"معناه: أنكم إذا لَمْ تُعَرِّبُوا على مَن يتناول أعراضَ المسلمين؛ مَخَافَة لِسَانِهِ، لم تَدْخُلُوا في جُمْلَةِ المُسْتَشْهَدِين يومَ القيامة على الأمم التي كَذَّبَتْ أنبياءَها.
وقيل في الشَّهِيد: إنَّه سُمِّيَ (شَهِيدا) : لأنه شَهِد الجَنَّة؛ أي: حَضَرَها حين استشهد. فهو على هذا التأويل، بمعنى: (شاهد) ، وهو: الحاضر؛ كما يقال: (سميع وسامع) ، و (عليمٌ وعالِم) . وهذا قريب مِمَّا قاله ابنُ شميل.
وقوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} قال ابن عباس: أي: المشركين.
وفي هذا [إشارة] إلى أنه إنَّما [يُدِيل] الكافرين على المؤمنين؛ لِمَا ذَكَرَ، لا لأنَّهُ يُحِبُّهم. وإذْ أَدَالَ المؤمنين، أدَالَهُمْ نُصْرَةً لهم، ومَحَبَّةً منه إيَّاهم.
وجملة معنى الآية: أنها تَسْلِيَة للمؤمنين عَمَّا نالَهُم مِنَ الجِرَاح بِأَنَّ عَدُوَّهم قد نَالَ مِثْلَهُ، وأَنَّ سُنَّةً لَهُ في عِبَادِهِ أنْ يَبْلُوهم مَرَّةً بالخير، ومَرَّةً بالشَّرِّ كما قال: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} .