وما زال الحديث والكلام عن البطانة ، وهو يدل على أن البطانة لم تستطع أن تلوي المؤمنين عن الإيمان ، بل إن المؤمنين الذين ذاقوا حلاوة الإيمان حاولوا أن يغيروا من الكافرين. ولم يفلح الكافرون أن يغيروا من المؤمنين ، وكذلك لم يفلح الكافرون أيضا أن يسيطروا على أنفسهم ، ولم يكن أمام هؤلاء الكافرين إلا النفاق ، لذلك قالوا:"آمنا". إن الآية تدلنا على أن المؤمنون قد عقلوا آيات الحق. ولماذا - إذن - جاء الحق بقوله:"تحبونهم ولا يحبونكم"؟
لقد أحب المؤمنون الكافرين حين شرحوا لهم قضية الحق فِي منهج الإسلام ، وأرادوا المؤمنون أن يجنبوا الكافرين متاعب الكفر فِي الدنيا والآخرة ، وهذا هو الحب الحقيقي ، فهل بَادَلَهُم الكافرون الحب ؟ لا ؛ لأن هؤلاء الكافرون أرادو أخذ المؤمنين إلى الكفر ، وهذا دليل عدم المودة. ولم يستطع الكافرون تحقيق هذا المأرب ، ولذلك قالوا:"آمنا"ومعنى قولهم:"آمنا"يدلنا على أن موقف المسلمين كان موقفا صُلبا قويا ؛ لذلك لم يجد الكافرون بداً من نفاقهم {وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا} قالوا ذلك على الرغم من ظهور البغضاء فِي أفواههم ، ولم يكن سلوكهم مطابقا لما يقولون. وهنا بدأ المسلمون فِي تحجيم وتقليل مودتهم للكافرين ؛ ولذلك قال أهل الكفر: لو استمر الأمر هكذا فسوف يتركنا هؤلاء المسلمون.. وحتى يتجنبوا هذا الموقف ادعوا الإيمان فِي الظاهر ، وينقلب موقفهم إذا خلوا لأنفسهم ، ويصور الحق هذا الموقف فِي قوله: {وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} فما هو العض ؟