وقد قال بعضهم: إنه لا يجوز أن يكون بمعنى: الدعاء؛ لأنه لو كان أمره بأن يدعو عليهم بذلك لماتوا جميعاً على هذه الصفة؛ فإنَّ دعوته لا ترد، وقد آمن منهم كثيرون بعد هذه الآيةِ، [وليس بخبر] ؛ لأنه لو كان خبراً لوقع على حكم ما أخبره، ولم يؤمن أحدٌ بعدُ، وإذا انتفى هذان المعنيان فلم يَبْقَ إلا أن يكون معناه التوبيخ، والتهديد، كقوله تعالى: {اعملوا مَا شِئْتُمْ} [فصلت: 40] و"إذَا لَمْ تَستَحْي فاصْنَعْ مَا شِئْتَ".
وهذا - الذي قاله - ليس بشيء؛ لأن مَنْ آمن منهم لم يدخل تحت الدعاء - إن قُصِد به الدعاء - ولا تحت الخبر، إن قُصِد به الإخبار.
قوله: {إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} يحتمل أن تكون هذه الجملة مستأنفة، أخبر - تعالى - بذلك؛ لأنهم كانوا يُخفون غيظَهم ما أمكنهم، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، ويحتمل أن يكون من جملة المقول، أي: قُلْ لهم: كذا، وكذا، فيكون فِي محل نصب بالقول، ومعنى قوله: {بِذَاتِ} أي: بالُمضْمَرات، ذوات الصدور، ف"ذَات"- هنا - تأنيث"ذي"بمعنى صاحب؛ فحُذِف الموصوف، وأقيمت صفته مقامه، أي: عَلِيمٌ بالمضمرات صاحبة الصدُور، و"ذو"جعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها، وعدم انفكاكها عنها، نحو أصحاب النار، وأصحاب الجنة.
والمراد بذات الصدور: الخواطر القائمة بالقلب من الدواعي، والصوارف الموجودة فيه.
واختلفوا فِي الوقف على هذه اللفظة، هل يوقف عليها بالتاء، أو بالهاء؟.
فقال الأخفش، والفَرَّاءُ، وابن كيسان: الوقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف.
وقال الكسائي، والجَرْمِيّ: يوقف عليها بالهاء، لأنها تاء تأنيث، كهي فِي صاحبة، وموافقة الرسم أوْلَى؛ فإنَّهُ قد ثبت لنا الوقف على تاء التأنيث الصريحة بالتاء، فإذا وقفنا - هنا - بالتاء، وافقنا تلك اللغة، والرسم، بخلاف عكسه. انتهى انتهى. {تفسير ابن عادل حـ 5 صـ 495 - 500} . بتصرف يسير.