إذن فـ {اللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي أنه سيعطي كل عبد على قدر حركته ونيته فِي الحركة ؛ فالذي أحب ما عند الله من النعمة فليأخذ النعمة ويفيضها الله عليه. أما الذي أحب الله وإن سلب منه النعمة ، فإن الله يعطيه العطاء الأوفى ، وذلك هو مجال مباهاة الله لملائكته.. ومن أقوى دلائل الإيمان وكماله.. إيثار محبة الله ورسوله على كل شيء فِي الوجود:
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: مّنْ كان الله ورسوله أحبُّ إليه مما سواهما ، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود فِي الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يَقَذف فِي النار"إن هناك العبد الذي يحب الله لذاته ؛ لأن ذاته سبحانه تستحق أن تعبد ، فذات الله تستحق العبادة ؛ لأنه الوهاب ، الذي نظم لنا هذا الكون الجميل.
إذن فقوله الحق: {واللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} يعني أن الله يعلم مقدار ما يستحق كل عابد لربه ، وعلى مقدار حركته ونيته فِي ربه يكون الجزاء ، فمن عبد الله للنعمة أعطاه الله النعمة المرجوة فِي الجنة ليأخذها ، ومن أطاع الله لأنه أهل لأن يطاع وإن أخذت - بضم الألف وكسر الخاء - النعمة منه فإن الله يعطيه مكاناً فِي عليين.
ولذلك قيل: إن أشد الناس بلاء هم الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل. لماذا ؟ لأن ذلك دليل صدق المحبة. والإنسان عادة يحب من يحسن إليه ، ولا يحب من تأتي منه الإساءة إلا إن كانت له منزلة عالية كبيرة. إنه مطمئن إلى حكمته ، إنه ابتلاه - وهو يعلم صبره - ليعطيه ثوابا جزيلا وأجرا كبيرا ، والحق يقول:
{قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَاهُكُمْ إِلَاهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً} [الكهف: 110] .