ويوضح الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: أنكم لن تتمتعوا فِي الآخرة لضرورة الحاجة للمتعة ، بحيث إذا ما جاءت النعمة عليكم تفرحون بها ، إن الأمر لا يقتصر على ذلك وإنما يتعداه إلى أنكم - أيها المؤمنون - تحبون فقط أن تروا المنعم ، فما دام المؤمن الذي يدخل الجنة يجد كل ما يشتهي بل إنه لا يشتهي شيئا حتى يأتيه ، ويستمتع على قدر عطاء الله وقدراته.
وإذا لم يشته الإنسان ثماراً فِي الجنة أو نساء ، ويصبح مشغولاً برؤية ربه فإن مكانه جنة من الجنان اسمها"عليّون"و"عليّون"هذه ليس فيها شيء مما تسمعه عن الجنة ، ليس فيها الا أن تلقى الله. إن الرزق والنعم ليسا من أجل قوام الحياة فِي الجنة ، بل إن الإنسان سيكون له الخلود فيها ؛ فالذي يحتاج إليه الإنسان هو رضوان من الله.
إن رضواناً من الله أكبر من كل شيء . ولقد نبأنا الله بما فِي الجنات ، ونبأنا بالخير من كل ذلك. لقد نبأنا الله بأن رضوانه الأكبر هو أن يضمن المؤمن أنْ يظفر برؤية ربّه. وهذا ما يقول فِي الله.
{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] .
إذن فهناك فِي الجنة مراتب ارتقائية. ويخبرنا الحق من بعد ذلك: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} أي أن الله سيعطى كل إنسان على قدر موقفه من منهج ربه ، فمن أطاع الله رغبة فِي النعيم بالجنة يأخذ جنة الله ، ومن أطاع الله لأن ذات الله أهل لأن تطاع فإن الله يعطيه متعة ولذة النظر إليه - سبحانه - تقول رابعة العدوية فِي هذا المعنى: كلهم يعبدون من خوف نار ويرون النجاة حظا جزيلاً
إنِنّي لست مثلهم ولهذا لست أبغي بمن أحب بديلا
وقالت أيضاً: اللهم إن كنت تعلم أني أعبدك خوفاً من نارك فادخلني فيها ، وإن كنت تعلم أني أعبدك طمعاً فِي جنتك فاحرمني منها ، إنما أعبدك لأنك تستحق أن تُعبد.