سَأَلَهُ بِالنَّفْيِ فَأَجَابَهُ ب بلَى الَّتِي هِيَ جَوَاب النَّفْي لإِثْبَات الْمَنْفِيّ كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ أَلَسْت مُؤمنا بِالْبَعْثِ قَالَ بلَى مَعْنَاهُ أَنا مُؤمن بِهِ كَمَا علمت لكنني أُرِيد أَن يطمئن قلبِي بِرُؤْيَة الْكَيْفِيَّة فَقَالَ تَعَالَى لَهُ {فَخذ أَرْبَعَة من الطير فصرهن إِلَيْك} أَي أملهن إِلَيْك بِالْإِحْسَانِ والتعليم لكَي تدعوها فتأتيك مجيبة لدعائك فَفعل ذَلِك ثمَّ أَخذ الطُّيُور وذكاها وحز رؤوسها وأمسكها عِنْده وهشم أجسامها وخلطها حَتَّى صَارَت جسما وَاحِدًا لَا يتَمَيَّز بَعْضهَا من بعض ثمَّ فرقها على أَرْبَعَة أجبل ثمَّ قعد هُوَ فِي الْجَبَل الْوسط الَّذِي أحاطت بِهِ الْجبَال الْأَرْبَعَة ثمَّ دَعَاهَا فطارت القطرة من الدَّم إِلَى القطرة واللحمة إِلَى اللحمة والريشة إِلَى الريشة وَكَذَلِكَ صكيك الْعِظَام وَهُوَ ينظر إِلَيْهَا حَتَّى التأم كل جَسَد على مَا كَانَ عَلَيْهِ من الْأَجْزَاء الَّتِي كَانَت لَهُ قبل ثمَّ طَار كل جَسَد إِلَى رَأسه فالتأم بِهِ
(فصل)
انْظُرُوا - رحمكم الله - إِلَى وُقُوع هَذِه الْكَيْفِيَّة فَإِنَّهَا تشبه بعث بعض الأجساد وَجَمعهَا وإحياءها وَسُرْعَة مسيرها إِلَى أَرض الْمَحْشَر حذوك النَّعْل بالنعل
فَأَما كَون وُقُوع الْمِثَال بالطيور بَدَلا من سَائِر الْحَيَوَانَات فَهُوَ أَن يَقع الشّبَه فِيهَا بأحوال الْبَعْث من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنَّهَا تقبل التَّعْلِيم حَتَّى تدعى فتجيب كالنسر وَالْعِقَاب والبازي والسوذنيق والغراب والطاووس إِلَى غير ذَلِك
وَأَنَّهَا تُؤْخَذ أفراخا فتربى وَتعلم فَتقبل التَّعْلِيم حَتَّى تطير وَترجع إِلَى داعيها إِذا دعيت، وَكَذَلِكَ الْملَك إِذا دَعَا الْمَوْتَى من الْقُبُور جمعُوا وحيوا وأتوه.
وَالثَّانِي أَن الطُّيُور إِذا دعيت أَتَت بِسُرْعَة تفوق بهَا سَائِر الْحَيَوَانَات وَكَذَلِكَ الْملك إِذا دَعَا الْمَوْتَى أَتَوْهُ بِسُرْعَة كَمَا قَالَ تَعَالَى {مهطعين إِلَى الداع} أَي مُسْرِعين وَقَالَ تَعَالَى {يَوْم يخرجُون من الأجداث سرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نصب يوفضون} .