وفي قوله تعالى: (واحد) ، ليس من حيث العدد؛ لأن كل ذي عدد يحتمل الزيادة والنقصان، ويحتمل الطول والعرض، ويحتمل القصر والكسر، ولكن يقال: ذلك (واحد) من حيث العظمة والجلال والرفعة، كما يقال: فلان واحد زمانه، وواحد قومه، يعنون به رفعته وجلالته في قومه وسلطانه عليهم، جائز القول، فهم لا يعنون من جهة العدد؛ لأن مثله كثير فيهم من حيث العدد. واللَّه أعلم.
وقوله: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) .
هذا على المعتزلة؛ لأنهم لا يصفونه بالعلم، وقد أخبر أن له العلم.
ثم احتمل: (عِلْمِهِ) ، علم الغيب.
وقال آخرون: علم الأشياء كلها. لا يعلمون إلا ما يعلمهم اللَّه من ذلك، كقول الملائكة: (لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) .
ومن قال: علم الغيب، فهو الذي قال: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ).
وقوله تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) ، وسع علمه. وهو قول ابن عَبَّاسٍ، رضيَ اللَّهُ تعالى عنه.
وقال آخرون: (كُرْسِيُّهُ) ، قدرته، وهو وصف بالقدرة والعظمة.
وقيل: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) ، والكرسي هو أصل الشيء ، يقال: كرسي كذا، والمراد منه أنه المعتمد والمفزع للخلق. وذلك وصف بالعظمة والقوة.
ويقال: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) ، وهو خلق من خلقه.
وقيل: إن الكرسي هو الكرسي، لكنه خلقه ليكرم به من يشاء من خلقه.
ثم لا يجوز أن يفهم من إضافته إليه ما يفهم من الخلق، كما لم يفهم من قوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) ، و"نور اللَّه"، و"بيت اللَّه"ونحوه ما يفهم من إضافته إلى خلقه.
فعلى ذلك لا يفهم من قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ) ، وغيره من الآيات ما يفهم من الخلق بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) .