وأما عندنا: فإن الشفاعة تكون لأهل الذنوب؛ لأن من لا ذنب له لا حاجة له إلى الشفاعة. وقوله: (لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ) ، يكون لهم ذنوب في أحوال التوبة، فإنما يغفر لهم الذنوب التي كانت لهم، فقد ظهر الاستغفار لأهل الذنوب؛ فعلى ذلك الشفاعة.
فَإِنْ قِيلَ: أرأيت رجلًا قال لعبده: إن عملت عملًا تستوجب به الشفاعة فأنت حر، فأي عمل يعمله ليستوجب به الشفاعة حتى يعتق عبده: الطاعة، أو المعصية؟
قيل: الطاعة، فعلى ذلك الشفاعة، لا تكون إلا لأهل الطاعة والخير لا لأهل المعصية.
قيل: إن الشفاعة التي يستوجبها أهل الذنوب إنما يستوجبون بالطاعات التي كانت لهم حالة الشفاعة؛ لأن أهل الإيمان وإن ارتكبوا مآثم ومعاصي فإن لهم طاعات، فبتلك الطاعات يستوجبون الشفاعة، كقوله: (خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) ، فالشفاعة في شره بخيره.
وقالوا: لا شفاعة في الشاهد لأحد في الآخرة؛ لأن الشفاعة هي أن يذكر عن مناقب أحد عند أحد وخيراته، ليس سوءا، وكذا في الآخرة.
والجواب لهم من وجهين:
أحدهما: أنه إنما يذكر في الدنيا خيرات المشفع له لجهالة هذا بأحواله، فيذكر خيراته ليعرفه بها، فيشفع فيه. واللَّه تعالى عارف لا يتعرف.
والثاني: أن ذكر خيراته لحاجة تقع للمذكور له تكون في مثلها، لا تكون في الآخرة خاصة، واللَّه - تعالى - يتعالى عن الحاجة عما بالعباد؛ لذلك اختلفا. واللَّه أعلم.
فإن قال لنا قائل: إن جميع ما ذكر في هذه الآية - من أولها إلى آخرها - كلها دعوى، فما الدليل على تلك الدعوى؟
قيل: يحتمل أن يكون دليله ما تقدم ذكره من قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ...) الآية.
والثاني: من أنكر الصانع فيتكلم أولا معه في حدث العالم، وحاجته إلى محدث، فإذا ثبت حدث العالم، فحينئذ يتكلم في إثبات الصانع ووحدانيته. وباللَّه التوفيق.