اللطيفة الثانية: عبّر باسم الإشارة البعيد {أولئك يَلعَنُهُمُ الله} تنبيهاً على قبح عملهم وغاية بعده فِي الإجرام ، والإفساد ، وأبرز الخبر فِي صورة جملتين توكيداً وتعظيماً لخطورته ، وأتى بالفعل المضارع المفيد للتجدد لتجدد مقتضيه ، وأبرز اسم الجلالة {يَلعَنُهُمُ الله} على سبيل الإلتفات لتربية المهابة ، وإدخال الروعة ، إذ لو جرى على نسق الكلام المتقدم لقال (أولئك نلعنهم) .
اللطيفة الثالثة: فِي قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} ضربٌ من البديع يسمى (الجناس المغاير) وهو أن يكون إحدى الكلمتين إسماً ، والأخرى فعلاً كما فِي هذه الآية .
اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} جاء اللفظان بصيغة المبالغة ، لأن (فعّال) و (فعيل) من صيغ المبالغة كما قال ابن مالك:
فعّال أو مفعال أو فعول ... فِي كثرةٍ عن فاعل بديل
والمعنى: كثير التوبة ، واسع المغفرة والرحمة .
الأحكام الشرعية
الحكم الأول: هل هذه الآية خاصة بأحبار اليهود والنصارى ؟
الآية الكريمة نزلت فِي أهل الكتاب من أحبار اليهود ، وعلماء النصارى ، الذين كتموا صفات النبي عليه الصلاة والسلام كما دلّ على ذلك سبب النزول ، ولكنها تشمل كل كاتم لآيات الله ، مخفٍ لأحكام الشريعة ، لأن العبرة - كما يقول علماء الأصول - بعموم اللفظ لا (بخصوص السبب) ، والآيات وردت عامة بصيغة اسم الموصول {إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ} لذلك تعم .
قال أبو حيان:"والأظهر عموم الآية فِي الكاتمين ، وفي الناس ، وفي الكتاب ، وإن نزلت على سبب خاص ، فهي تتناول كلّ من كتم علماً من دين الله ، يُحتاج إلى بثه ونشره ."