6 -يلاحظ أن مقطع القبلة سبق بمقطعين كانا بمثابة المقدمتين له. لقد رأينا كيف شوش أهل الكتاب على المسلمين في موضوع القبلة. فكان مقطع بني إسرائيل وما ذكر فيه بمثابة تفريغ للثقة أصلا بأهل الكتاب عامة، وباليهود خاصة. فكان كالمقدمة الأولى لجعل هذا التشويش لا قيمة له. ثم جاء مقطع إبراهيم فكان استمرارا لعملية تحطيم الثقة، وتمهيدا لقضية القبلة. فكان كالمقدمة الثانية. ثم جاء مقطع القبلة.
فإذا تذكرنا هذا. وتذكرنا ما مر معنا من قبل ندرك درسا من دروس الحكمة
الربانية في أن الله جعل هذا القرآن على ما هو عليه من ترتيب، وندرك بذلك لم لم يكن هذا القرآن فصولا وأبوابا تضع النظير إلى جانب النظير. والأمر أوسع من ذلك بكثير كما سنرى. ولكنها لفتة أحببنا أن نذكرها هنا.
7 -لقد بدأ مقطع القبلة بالكلام عن التوجه إلى المسجد الحرام في الصلاة، وانتهى بالأمر بالذكر والشكر. وقبل ذلك جاءت قصة إبراهيم عليه السلام. وجاء مقطع بني إسرائيل. وجاء مقطع آدم عليه السلام. وجاء قبل ذلك كله الأمر بالعبادة. فكان مقطع القبلة بعد تقريرات كثيرة لشئون كثيرة، هو التبيان العملي لأمور عملية في موضوع العبادة. وكأن ما سبقه بمثابة أساس نظري لبناء الجانب العملي. وسنرى كيف أن الجانب النظري والعملي سيتساوقان في المقطع اللاحق. ثم لنرى أن بدايات القسم الثاني من السورة كذلك. ثم يتمحض القسم الثاني لتقرير أمور عملية تتكامل خلالها قضية بناء التقوى ليأتي بعد ذلك القسم الثالث في البقرة فيكمل بناء الأمة المشرق بالإسلام. ويكمل بناء الإسلام.
8 -عمق مقطع القبلة في سياقه أن الأصل هو طاعة الله. واتباع هداه. والقيام بالتكليف كائنا ما كان. لا اتباع الهوى في مثل توجه نحو شرق وغرب قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. وسنرى أن المقطع الأول من القسم الثاني من سورة البقرة سينتهي بآية لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَلكِنَّ الْبِرَّ ... فلنتذكر الصلة بين هذا المقطع وآية البر التي ستأتي، والتي هي خاتمة الحوار الذي بدأ مع أهل الكتاب في سورة البقرة.