يخبرنا تعالى أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم كما يعرف أحدهم ولده من بين أبناء الناس كلهم. والعرب تضرب المثل في صحة الشيء بهذا. ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ثبت تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ أي محمدا عليه الصلاة والسلام، أو القرآن، أو تحويل القبلة، والأول أظهر كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه: «أنا أعلم به مني
بابني. فقال له عمر: ولم؟. قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي. فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه». وفي رواية: «نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته، فعرفته. وإني لا أدري ما كان من أمه» أي من أم ابنه.
وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ أي الذين لم يسلموا لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ حسدا وعنادا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أن الله تعالى بينه في كتابهم
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ أي: الحق من الله لا من غيره. يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله. كالذي أنت عليه. وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي من الشاكين في أنه من ربك.
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ. أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً. إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي: ولكل أهل دين من أهل الأديان قبلة يرضونها. ووجهة الله حيث ما وجه المؤمنين فيا أيها المؤمنون جدوا في الخيرات، وليسابق بعضكم بعضا.
أو جدوا في الخيرات حتى تسبقوها وتكونوا أمامها. فالله تعالى هو القادر على جمعكم من الأرض، وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم.
وَلِكُلٍّ من أهل الأديان قبلة وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها. الضمير (هو) إما أن يعود لأهل كل دين. وإما أن يعود إلى الله. والضمير في موليها يعود على الوجهة.