ثم أتبع الله تعالى ذلك بوعيد آخر:
أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أي بل هل أمنتم ربكم الله الذي هو في السماء كما تزعمون، وهل أمنتم سلطانه وملكوته وقهره أن يرسل عليكم ريحا مصحوبة بحجارة من السماء، كما أرسلها على قوم لوط وأصحاب الفيل في مكة، وحينئذ تعلمون إذا عاينتم العذاب كيفية إنذاري وعقابي لمن خالف وكذب به، ولكن لا ينفعكم هذا العلم؟! ونظير الآية قوله تعالى: أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ، أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً، ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا [الإسراء 17/ 78] .
ثم ذكّر الله تعالى بعذاب الأمم المتقدمة مؤكدا تخويف الكفار بالمثال والبرهان، أما المثال فهو:
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي إن الكفار الذين كانوا قبلهم، والذين كذبوا الرسل، شاهدوا أمثال هذه العقوبات بسبب كفرهم، كعاد وثمود وكفار الأمم، فحاق بهم سوء العذاب، وانظروا كيف كان إنكاري عليهم بما أوقعته بهم من العذاب الشديد؟
وأما البرهان فقد ذكر تعالى عدة براهين على كمال قدرته، مما يدل على كونه تعالى قادرا على إيقاع جميع أنواع العذاب بالكفار.
وهذا هو البرهان الأول:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ، إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ أي أولم ينظروا إلى الطير فوقهم في الجو أو الهواء، وهن باسطات أجنحتها تارة، وقابضات ضامات لها تارة أخرى، ما يمسكهن في الهواء عند الطيران والقبض والبسط إلا الإله الرحمن القادر على كل شيء، بما سخّر لهن من الهواء برحمته ولطفه، إنه سبحانه عليم بصير بما يصلح كل شيء من مخلوقاته، لا يخفى عليه شيء من دقائق الأمور وعظائمها.
ونظير الآية: أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ، ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل 16/ 79] .