29 - {قُلْ} لهم يا محمد {هُوَ} ؛ أي: الذي أدعوكم إلى عبادته {الرَّحْمَنُ} الرحيم مولي النعم كلها، وموصلها إلى الخلق كلهم {آمَنَّا بِهِ} وحده لما علمنا أن كل ما سواه فإما نعمة أو مُنْعَمٌ عليه، ولم نكفر به كما كفرتم، على أن يكون وقوع {آمنا} مقدمًا على {به} تعريضًا للكفّار، حيث ورد عقيب ذكرهم. {وَعَلَيْهِ} لا على غيره {تَوَكَّلْنَا} ؛ أي: اعتمدنا؛ أي: فوّضنا أمورنا إليه لا إلى غيره أصلًا كما فعلتم أنتم حيث توكّلتم على رجالكم وأموالكم، لعلمنا بأن ما عداه كائنًا ما كان بمعزل من النفع والضرّ؛ فوقوع {عليه} مقدمًا يدل على الاختصاص، قال الزمخشري:
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ أخَّر مفعول {آمَنَّا} وقدم مفعول {تَوَكَّلْنَا} ؟
قلت: لوقوع {آمَنَّا} تعريضًا بالكافرين حين ورد عقيب ذكرهم؛ كأنّه قيل: آمنا ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: وعليه توكلنا خصوصًا لم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من رجالكم وأموالكم .. كرخي. {فَسَتَعْلَمُونَ} يا كفّار مكة عن قريب ألبتة عند معاينة العذاب {مَنْ} استفهامية أو موصولة {هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} منّا ومنكم، أي: خطأ ظاهر. أي: قل لهم: آمنّا برب العالمين الرحمن الرحيم، وعليه توكّلنا في جميع أمورنا، وهو سيجيرنا من عذاب الآخرة، وفي هذا تعريض بهم حيث اتكلوا على أولادهم وأموالهم {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35) }
وإشارة إلى أنهم لا يرحمون في الدارين؛ لأنهم كفروا بالله وتوكلوا على غيره، ثم ذكر ما هو كالنتيجة لما قبله فقال: {فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} أي: فسيتبين لكم من الضال منا ومن المهتدي، ولمن تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة. وقرأ الجمهور {فَسَتَعْلَمُونَ} بتاء الخطاب، نظرًا إلى الخطاب في قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ} . وقرأ الكسائي بالتحتية على الخبر نظرًا إلى قوله: {فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ} .