ثم ذكر استواء هذا المعلم بالأفق الأعلى ودنوه وتدليه وقربه من رسول الله وإيحاء الله ما أوحى فصور سبحانه لأهل الإيمان صورة الحال من نزول جبريل من عنده إلى أن استوى بالأفق ثم دنى وتدلى وقرب من رسوله فأوحى إليه ما أمره الله بإيحائه حتى كأنهم يشاهدون صورة الحال ويعاينونها هابطاً من السماء إلى أن صار بالأفق الأعلى مستوياً عليه ثم نزل وقرب من محمد وخاطبه بما أمره الله به قائلاً ربك يقول لك كذا وكذا وأخبر سبحانه عن مسافة هذا القرب بأنه قدر قوسين أو أدنى من ذلك وليس هذا على وجه الشك بل تحقيق لقدر المسافة وأنها لا تزيد عن قوسين ألبتة كما قال تعالى {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} تحقيق لهذا العدد وأنهم لا ينقصون عن مائة ألف رجل واحداً ونظيره قوله {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها
وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل أو في هذه المواضع بمعنى بل ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرأي وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله انتهى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى}
فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ وَالتَّدَلِّي فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي (سُورَةِ النَّجْمِ) هُوَ دُنُوُّ جِبْرِيلَ وَتَدَلِّيهِ، كَمَا قَالَتْ عائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النَّجْمِ: 5] وَهُوَ جِبْرِيلُ: {ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى - وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى - ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى} [النَّجْمِ: 6 - 8]
فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْمُعَلِّمِ الشَّدِيدِ الْقُوَى، وَهُوَ ذُو الْمِرَّةِ، أَيْ: الْقُوَّةُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَوَى بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَمَّا الدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي الَّذِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَدَلِّيهِ، وَلَا تَعَرُّضَ فِي (سُورَةِ النَّجْمِ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيهَا أَنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً