أحدهما ذُو الْقلب الواعي الزكي الَّذِي يَكْتَفِي بهدايته بِأَدْنَى تَنْبِيه، وَلَا يحْتَاج إلى أن يستجلب قلبه ويحضره ويجمعه من مَوَاضِع شتاته بل قلبه واع زكي قَابل للهدى غير معرض عَنهُ، فَهَذَا لَا يحْتَاج إلا إلى وُصُول الْهدى إليه فَقَط لكَمَال استعداه وَصِحَّة فطرته فَإِذا جَاءَهُ الْهدى سارع قلبه إلى قبُوله كأنه كَانَ مَكْتُوبًا فِيهِ فَهُوَ قد أدْركهُ مُجملا، ثمَّ جَاءَ الْهدى بتفصيل مَا شهد قلبه بِصِحَّتِهِ مُجملا.
وَهَذِه حَال أكمل الْخلق استجابة لدَعْوَة الرُّسُل كَمَا هِيَ حَال الصّديق الأكبر رَضِي الله عَنهُ.
وَالنَّوْع الثَّانِي من لَيْسَ لَهُ هَذَا الاستعداد وَالْقَبُول فَإِذا ورد عَلَيْهِ الْهدى أصغى إليه بسمعه وأحضر قلبه وَجمع فكرته عَلَيْهِ وَعلم صِحَّته وَحسنه بنظره واستدلاله.
وَهَذِه طَريقَة أكثر المستجيبين، وَلَهُم نوع ضرب الأمثال وَإِقَامَة الْحجَج، وَذكر المعارضات والأجوبة عَنْهَا.
والأولون هم الَّذين يدعونَ بالحكمة وَهَؤُلَاء يدعونَ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَة فَهَؤُلَاءِ نوعا المستجيبين.
وأما المعارضون المدعون للحق فنوعان نوع يدعونَ بالمجادلة بِالَّتِي هِيَ أحسن، فإن اسْتَجَابُوا وَإِلَّا فالمجادلة فَهَؤُلَاءِ لَا بُد لَهُم من جِدَال أوْ جلا.
وَمن تَأمل دَعْوَة الْقُرْآن وجدهَا شَامِلَة لهَؤُلَاء الأقسام متنَاولة لَهَا كلهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى {ادْع إلى سَبِيل رَبك بالحكمة وَالْمَوْعِظَة الْحَسَنَة وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن}
فَهَؤُلَاءِ المدعوون بالْكلَام.
وأما أهل الجلاد فهم الَّذين أمر الله قِتَالهمْ حَتَّى لا تكون فتْنَة وَيكون الدّين كُله لله وأما من فسر الآية بِأَن المُرَاد بِمن كَانَ لَهُ قلب هُوَ المستغني بفطرته عَن علم الْمنطق وَهُوَ الْمُؤَيد بِقُوَّة قدسية ينَال بهَا الْحَد الأوسط بِسُرْعَة فَهُوَ لكَمَال فطرته مستغن عَن مراعات أوضاع الْمنطق وَالْمرَاد بِمن ألقى السّمع وَهُوَ شَهِيد من لَيست لَهُ هَذِه الْقُوَّة، فَهُوَ مُحْتَاج إلى تعلم الْمنطق ليوجب لَهُ مراعاته وإصغاؤه إليه أن لَا يزِيغ فِي فكره. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...