وإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد وإثبات الصفات وإثبات الرسالة والنبوة وإثبات المعاد وحشر الأجساد وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر وعموم قدرته ومشيئته وتفرده بالملك والتدبير وأنه لا يستحق العبادة سواه وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه من تصرف المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجل وجوه الحجاج وأسبقها إلى القلوب وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها من الشكوك والشبه في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه وأدله على المراد.
وقال في (مفتاح دار السعادة)
وَالْمَقْصُود بَيَان حرمَان الْعلم من هَذِه الْوُجُوه السِّتَّة:
أحدها ترك السُّؤَال
الثَّانِي سوء الإنصات وَعدم إلقاء السّمع.
الثَّالِث سوء الْفَهم.
الرَّابِع عدم الْحِفْظ.
الْخَامِس عدم نشره وتعليمه، فَإِن من خزن علمه وَلم ينشره وَلم يُعلمهُ ابتلاه الله بنسيانه وذهابه مِنْهُ جَزَاء من جنس عمله.
وَهَذَا أَمر يشْهد بِهِ الْحس والوجود.
السَّادِس عدم الْعَمَل بِهِ فَإِن الْعَمَل بِهِ يُوجب تذكره وتدبره ومراعاته وَالنَّظَر فِيهِ، فَإِذا أهمل الْعَمَل بِهِ نَسيَه.
قَالَ بعض السّلف كُنَّا نستعين على حفظ الْعلم بِالْعَمَلِ بِهِ.
وَقَالَ بعض السّلف أيضا الْعلم يَهْتِف بِالْعَمَلِ فَإِن أجابه حل، وإلا ارتحل.
فَالْعَمَل بِهِ من أعظم أسباب حفظه وثباته وَترك الْعَمَل بِهِ أضاعه لَهُ، فَمَا استدر الْعلم وَلَا استجلب بِمثل الْعَمَل قَالَ الله تَعَالَى {يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وآمنوا بِرَسُولِهِ يُؤْتكُم كِفْلَيْنِ من رَحمته وَيجْعَل لكم نورا تمشون بِهِ} .
وَأما قوله تَعَالَى: {وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله} فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب بل هما جملتان مستقلتان طلبية وَهِي الأمر بالتقوى وخبرية وَهِي قوله تَعَالَى: {ويعلمكم الله} أَي وَالله يعلمكم مَا تَتَّقُون وَلَيْسَت جَوَابا لِلْأَمْرِ بالتقوى وَلَو أُرِيد بهَا الْجَزَاء لأتى بهَا مجزومة مُجَرّدَة عَن الْوَاو فَكَانَ يَقُول وَاتَّقوا الله يعلمكم، أوْ إِن تتقوه يعلمكم. كَمَا قَالَ {إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا} فتدبره.
(قَاعِدَة جليلة)
إِذا أردْت الِانْتِفَاع بِالْقُرْآنِ فاجمع قَلْبك عِنْد تِلَاوَته وسماعه