يَقُولُ: مَنْ خَافَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَلْقَاهُ، فَأَطَاعَهُ، وَاتَّبَعَ أَمْرَهُ وَفِي {مَنْ} فِي قَوْلِهِ: {مَنْ خَشِيَ} وَجْهَانِ مِنَ الْإِعْرَابِ: الْخَفْضُ عَلَى إِتْبَاعِهِ كُلِّ فِي قَوْلِهِ: {لِكُلِّ أَوَّابٍ} وَالرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَهُوَ مُرَادٌ بِهِ الْجَزَاءُ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ، قِيلَ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ؛ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ قَوْلُهُ: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} جَوَابًا لِلْجَزَاءِ أُضْمِرَ قَبْلَهُ الْقَوْلُ، وَجُعِلَ فِعْلًا لِلْجَمِيعٍ، لِأَنَّ {مَنْ} قَدْ تَكُونُ فِي مَذْهَبِ الْجَمِيعِ وَقَوْلُهُ: {وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ}
يَقُولُ: وَجَاءَ اللَّهَ بِقَلْبٍ تَائِبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ، رَاجِعٍ مِمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُرْضِيهِ.
عَنْ قَتَادَةَ: {بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} : «أَيْ مُنِيبٍ إِلَى رَبِّهِ مُقْبِلٍ» .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} ادْخُلُوا هَذِهِ الْجَنَّةَ بِأَمَانٍ مِنَ الْهَمِّ وَالْغَضَبِ وَالْعَذَابِ، وَمَا كُنْتُمْ تَلْقَوْنَهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْمَكَارِهِ.
عَنْ قَتَادَةَ: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ} قَالَ: «سَلِمُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ»
وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ}
يَقُولُ: هَذَا الَّذِي وَصَفْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ صِفَتَهُ مِنْ إِدْخَالِي الْجَنَّةَ مَنْ أُدْخِلُهُ، هُوَ يَوْمَ دُخُولِ النَّاسِ الْجَنَّةَ، مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ.
عَنْ قَتَادَةَ: «خُلِّدُوا وَاللَّهِ، فَلَا يَمُوتُونَ، وَأَقَامُوا فَلَا يَظْعَنُونَ، وَنَعِمُوا فَلَا يَبْأَسُونَ»
وَقَوْلُهُ: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا}
يَقُولُ: لِهَؤُلَاءِ الْمُتَّقِينَ مَا يُرِيدُونَ فِي هَذِهِ الْجَنَّةِ الَّتِي أُزْلِفَتْ لَهُمْ مِنْ كُلِّ مَا تَشْتَهِيهِ نُفُوسُهُمْ، وَتَلَذُّهُ عُيُونُهُمْ وَقَوْلُهُ: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ}
يَقُولُ: وَعِنْدَنَا لَهُمْ عَلَى مَا أَعْطَيْنَاهُمْ مِنْ هَذِهِ الْكَرَامَةِ الَّتِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهَا مَزِيدٌ يَزِيدُهُمْ إِيَّاهُ
وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الْمَزِيدَ: النَّظَرُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ.