27 - {قَالَ قَرِينُهُ} ؛ أي: الشيطان الذي قيض لهذا الكافر: {رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ} وما أضللته، وما أغويته، قيل: هذا جواب لكلام مقدر، وهو أنّ الكافر حين يلقى في النار، يقول: ربّنا أطغاني شطاني، فيقول الشيطان: ربّنا ما أطغيته. {وَلَكِنْ كَانَ} هذا الإنسان {فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ} عن الحق، فدعوته فاستجاب لي، ولو كان من عبادك الصالحين .. لم أقدر عليه، فيتبرأ منه شيطانه، وقال ابن عباس: قرينه: الملك الموكّل به، الكاتب لأعماله؛ يعني؛ يقول الكافر: ربّ إنّ الملك زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملك: ربّنا ما أطغيته؛ أي: ما زدت عليه، وما كتبت إلا ما قال وعمل، ولكن كان في ضلال بعيد؛ أي: طويل لا يرجع عنه إلى الحقّ، فأعنته عليه بالإغواء والدعوة إليه من غير قسر وإلجاء، كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} والأول أولى، وعليه الجمهور، وقال أبو حيان: {قَالَ قَرِينُهُ} لم تأت هذه الجملة بالواو بخلاف {وَقَالَ قَرِينُهُ} قبله: لأنّ هذه استؤنفت كما استؤنفت الجمل في حكاية التقاول في مقاولة موسى وفرعون، فجرت مقاولة بين الكافر وقرينه، فكأنّ الكافر قال: ربّ هو أطغاني، قال قرينه: ربّنا ما أطغيته، وأما {وَقَالَ قَرِينُهُ} فعطفت للدلالة على الجمع بين معناها، ومعنى ما قبلها في الحصول؛ أعني: مجيء كل نفس مع الملكين، وقول قرينه ما قال له.
28 -وجملة قوله: {لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ} : مستأنفة، واقعة في جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال الله؟ فقيل: قال الله سبحانه لهم: لا تختصموا أيها الكفّار والقرناء لديّ؛ أي: في موقف الحساب والجزاء، إذ لا فائدة في ذلك، قال بعضهم: هذا الخطاب في الكفار فقط، وأما قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (31) } ففي المؤمنين في الظالم فيما بينهم؛ لأنّ الاختصام في الظالم مسموع، وهذا في الموقف، وأما قوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) } ففي جهنم، فظهر التوفيق بين الآيات.