يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ
{فَحَقَّ وَعِيدِ}
يَقُولُ: فَوَجَبَ لَهُمُ الْوَعِيدُ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَحَلَّ بِهِمُ الْعَذَابُ وَالنِّقْمَةُ، وَإِنَّمَا وَصَفَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا وَصَفَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ إِحْلَالِهِ عُقُوبَتَهُ بِهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ الرُّسُلَ تَرْهِيبًا مِنْهُ بِذَلِكَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَإِعْلَامًا مِنْهُ لَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُنِيبُوا مِنْ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ مُحِلٌّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّ بِهِمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) }
وَهَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ الَّذِينَ قَالُوا: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ}
يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَفَعَيِينَا بِابْتِدَاعِ الْخَلْقِ الْأَوَّلِ الَّذِي خَلَقْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا فَنَعْيَا بِإِعَادَتِهِمْ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ بَلَائِهِمْ فِي التُّرَابِ، وَبَعْدَ فَنَائِهِمْ؛ يَقُولُ: لَيْسَ يُعْيِينَا ذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ عَلَيْهِ قَادِرُونَ.
عَنْ مُجَاهِدٍ: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} يَقُولُ: «أَفَعَيِيَ عَلَيْنَا حِينَ أَنْشَأْنَاكُمْ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَمْتَرُوا بِالْبَعْثِ»
وَقَوْلُهُ: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يَشُكُّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ أَنَّا لَمُ نَعْيَ بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى أَنْ نَخْلُقَهُمْ خَلْقًا جَدِيدًا بَعْدَ فَنَائِهِمْ وَبَلَائِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ.
عَنْ قَتَادَةَ: {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ} "أَيْ شَكٍّ وَالْخَلْقُ الْجَدِيدُ: الْبَعْثُ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَصَارَ النَّاسُ فِيهِ رَجُلَيْنِ: مُكَذِّبٌ، وَمُصَدِّقٌ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 21/}