{أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ ..} [البقرة: 5] .
ومعنى
{عَلَى هُدًى ..} [البقرة: 5] أن الهدى مطيَّتهم إلى الغاية التي يقصدونها، فهو ليس عبئاً على العبد لأن الخالق سبحانه لم يكلفنا أبداً ما لا نطيق، وما استعبدنا إلا لمصلحتنا نحن في استقامة الدنيا وسلامة الآخرة.
لذلك قلنا: إن العبودية لغير الله ذل وهوان، والعبودية لله عزّ وشرف، فالعبودية للبشر تعطي السيد خير عبده لكن العبودية لله تعطيك خير الله.
حين يفهم العبدُ العبادةَ بهذا المعنى يحبها ويتشوَّق إليها ويجد فيها لذة لا تُدانيها لذة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال مؤذنه:"أرحنا بها يا بلال"أي: بالصلاة، فكم هي سهلة خفيفة على قلب المؤمن، وكم هي ثقيلة على قلب المنافق.
إذن: من الهدى أنْ تصلي كما يصلي عامة الناس، ومن زيادة الهدى أنْ تتشوق للصلاة وتنتظرها وتجد فيها راحتك، لأنك في حضرة ربك عز وجل، والله غيْب ويصلح عبده أيضاً بالغيب، فالصلاة تصلحك وتصلح حالك من حيث لا تدري.
ومن ثمرات التقوى قوله تعالى:
{يِاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَتَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الأنفال: 29] .
فمنْ يتقي الله بموجب الفرقان الذي جاءه من الله وهو القرآن يزيده، بأنْ يجعل له هو فرقاناً آخر خاصاً به، فرقاناً يهديه وينير له الطريق ويُميز به بين الأشياء.
إذن: ما عليك في مسألة التقوى إلا أنْ تسير إليها تقصدها لتفعل وتطيع، ثم ستجدها هي التي تسعى إليك وتطلبك.
{فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ}
الحديث هنا عن الكافرين الذين لا يلتفتون إلى أدلة وجود الله في الكون، ولا إلى معجزات الرسل فيؤمنون بهم ويصدقونهم، ولا إلى أحكام الله فيعملون بها، هؤلاء القوم ماذا ينتظرون؟
{فَهَلْ يَنظُرُونَ ..} [محمد: 18] أي: ينتظرون {إِلاَّ السَّاعَةَ ..} [محمد: 18] الساعة بالنسبة لهم يعني الموت، لأن الزمن ينتهي بالنسبة للإنسان بالموت، فمَنْ مات قامت قيامته، والمرء لا يعرف أجله ولا متى يموت، لأن الله أخفاه واحتفظ به لنفسه سبحانه، فلا يطلع عليه أحد.