{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ..} [محمد: 16] لأنهم سمعوا الكلام ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بمقتضاه، فكان الجزاء أنْ ختم الله على قلوبهم وطبع عليها، وكأن الله يقول لهم: ما دُمتم أحببتم النفاق فسوف أزيدكم منه وأختم على قلوبكم حتى لا يخرج منها النفاق ولا يدخلها الإيمان.
{وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ} [محمد: 16] الهوى أنْ يميل قلبك إلى شيء تعتقد أنه سارّ ومُفرح لك، فرح عاجل ولذة وقتية دون النظر في العواقب بعد هذه اللذة.
إذن: اجعل لهواك ضوابط، واختر الهوى الأبقى أثراً والأدوم نفعاً، اجعلْ هواك فيما ينفعك لا فيما يضرك، كالذي يأكل (شطة) مثلاً، لأنها تجعل للأكل لذة وطعماً هو يرغب فيه الآن حين يأكل، لكنه غفل عن مسألة إخراج هذا الطعام، وأنه سيجُر عليه ألماً يفوق لذة الأكل.
إذن: على العاقل أنْ يتدبر عواقب هواه، ويحذر أنْ يميل به الهوى، لذلك يقول تعالى:
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ ..} [المؤمنون: 71] .
والحق سبحانه أتى لنا بالمنهج ليحمينا من الهوى، لأن أهواء النفوس متضاربة ومتعارضة، فهي أداة اختلاف وتنافر، والله يريد لنا أن نتفق، وأنْ نتساند لا أنْ نتعاند.
وفي الحديث الشريف يقول صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئتُ به".
البعض يقف عند قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ..} [محمد: 16] فيقول ما دام أن الله طبع على قلوبهم وأراد لهم الضلال، فلماذا يعذبهم؟ نقول: الله يهدي العباد لا يضلهم، وهم الذين يختارون الضلال ولا يهتدون بالإيمان.
لذلك نقرأ:
{وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 264] و
{وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [المائدة: 108] و
{وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .
فالضلال إذن وعدم الهداية ناشئ عنهم هم ونتيجة مسلكهم غير المستقيم، فالله لم يهدهم لأنهم إما كافرون أو فاسقون أو ظالمون.
وإلا فالحق سبحانه في واقع الأمر هدى الجميع، المؤمن والكافر، لأنه نادى الجميع في قوله سبحانه:
{يَاأَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] فدلَّ الجميع وأرشدهم إلى منهجه وعاقبة السَّيْر على هذا المنهج، وأنذرهم عاقبة الخروج عنه.