وبقوله: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ} [الأحقاف: 19] ، يشير إلى أن من منة الله أن يجازي على حسب أعمالهم من الخير والشر، ولكل واحد من السعادة والشقاوة، وبحسب أعمالهم ونياتهم فيها منازل يبلغونها، وهم لا يظلمون في التوفية.
ثم أخبر عن آثار أهل النار بقوله تعالى: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} [الأحقاف: 20] ، يشير إلى أن للنفس طيبات من الدنيا الفانية، وللروح طيبات من الآخرة الباقية، من اشتغل باستيفاء طيبات نفسه في الدنيا يحرم في الآخرة من استيفاء طيبات روحه؛ لأن في طلب استيفاء طيبات النفس إبطال استعداد الروح في استيفاء طيباته في الآخرة مودعة، وفي ترك استيفاء طيبات النفس في الدنيا كمالية استعداد الروح في استيفاء طيبات في الآخرة مودعة؛ فلهذا يقال لأرباب النفوس: {فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأحقاف: 20] ، بأنكم استكبرتم في قبول دعوة الأنبياء في ترك شهوات النفس واستيفاء طيباتها؛ لئلا تضيع طيبات أرواحكم، {وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ} [الأحقاف: 20] تخرجون من أوامر الحق ونواهيه، ويقال للروح وأرباب القلوب: {كُلُواْ وَاشْرَبُوا هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ} [الحاقة: 24] في الأيام الخالية، ولما كانت نفوسهم تاركة لشهواتها بتبعية الروح، يقال لهم: {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ} [فصلت: 31] ؛ أي: من نعيم الجنة فإنها من طيباتها وتلذ الأعين، وهو مشاهدة الجمال والجلال وهي طيبات الروح.