ثم أخبر عن سلامة أهل الاستقامة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} [الأحقاف: 13] ، يشير إلى أنهم قالوا: {رَبُّنَا اللَّهُ} من بعد استقامة الإيمان في قلوبهم، {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} بجوارحهم على أركان الشريعة، وبأخلاق نفوسهم على آداب الطريقة بالتزكية، وبأوصاف القلوب على التصفية، وبتوجيه الأرواح على التحلية بالتخلق بأخلاق الحق؛ فقالوا: {رَبُّنَا اللَّهُ} باستقامة الإيمان، {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} بالنفوس على أداء الأركان، وبالقلوب على الإبقاء، وبالأسرار على العرفان، وبالأرواح على الإحسان، وبالإخفاء على العيان، وبالحق على الفناء بأنانيتهم والبقاء بهويته؛ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأحقاف: 13] بالانقطاع، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] على ما فات لهم من خطاب الدارين، {َأُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ} [الأحقاف: 14] جنة الوحدة {خَالِدِينَ فِيهَا} [الأحقاف: 14] ، فانين عن الاثنينية باقين بالوحدة {جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الأحقاف: 14] في استقامة الأعمال مع الأقوال.
وبقوله: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً} [الأحقاف: 15] ، يشير إلى رعاية الحق الوالدين على جهة الاحترام، لما عليه لهما من حق التربية والإنعام؛ ليعلم أن رعاية حق الله تعالى على جهة التعظيم، لما عليه له في حق الربوبية، وأنعام الوجود أحق وأولى وفي إثبات حق الوالدين، قال: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] ، فحق من كان في شأنه بالتقدير والقسمة والخَلق والخُلق والرزق والأجل، حتى إذا بلغ أشده في النبوة في الولاية والإيمان والإسلام من الأزل إلى الأبد أثبت وأعظم، كما أشار إلى هذا المعنى.