وبقوله: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} [الأحقاف: 9] ، يشير إلى فساد أهل القدر والبدع، حيث قالوا إيلام لبريء قبيح في العقل فلا يجوز؛ لأنه لو لم يجوز ذلك لكان يقول: اعلم قطعاً أني رسول الله معصوم؛ فلا محالة يغفر لي، ولكنه قال: {وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} ليعلم أن الأمر أمره، والحكم حكمه، له أن يفعل بعباده ما يريد، ولا يسأل عما يفعل، {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ} [الأحقاف: 9] ؛ بخاصة نفسي مستسلماً لأحكامه الأزلية، {وَمَآ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأحقاف: 9] ، لكم أرسلت إليكم مبلغاً، وليس إليَّ من الهداية شيء، ولكن الله يهدي من يشاء.
وبقوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} [الأحقاف: 10] ، يشير إلى أنه لا عذر له بحال ولا أمان لهم من عقوبة الله، وما يستروحون إليه من حججهم عند أنفسهم كلها في التحقيق باطل، إذا شهد على مثله شاهد {فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ} [الأحقاف: 10] ، استكبار إبليس جحوداً وعناداً {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الأحقاف: 10] ، الذين يضعون الجحد والعناد موضع الإقرار والتسليم.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً} [الأحقاف: 11] ؛ يعني: الذين {مَّا سَبَقُونَآ إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] ، مثل هؤلاء الأراذل، هذا نوع من أنواع مكر النفس ليتوهم بها براءة ذمتها عن إنكار الحق، والتمادي في الباطل، {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ} [الأحقاف: 11] ؛ أي: بما ليس من مشاربهم، وما هم من أهل ذوق الإيمان بالقرآن به وبالمواهب الربانية، {فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ} [الأحقاف: 11] .