ولما كانت كلماته سبحانه لا تنفد وعجائبه لا تعد ولا تحد ، وكان في سياق التعجيب من توقفهم قال {من كل مثل} أي يكفي ضربه في البيان لإقامة الحجة البالغة ، ثم بين علة الضرب بقوله: {لعلهم يتذكرون} أي ليكون حالهم بعد ضربه حال من يرجى تذكره بما ضرب له ما يعرفه في الكون في نفسه أو في الآفاق تذكراً واضحاً مكشوفاً - بما أرشد إليه الإظهار ، فيتعظ لما في تلك الأمثال المسوقة في أحسن المقال المنسوقة بما يلائمها من الأوضاع والأشكال من البيان وأوضح البرهان.
ولما كان ذلك غاية في الشرف ، دل على زيادة شرفه بحال مؤكدة دالة على شدة عنادهم ، تسمى موطئه لأن الحال في الحقيقة ما بعدها بقوله: {قرآناً} أي حال كون ذلك المضروب جامعاً لكن ما يحتاج إليه ، ويجوز أن يكون النصب على المدح {عربياً} جارياً على قوانين لسانهم في جمعه باتساعه ووضوحه واحتمال اللفظ الواحد منه لمعان كثيرة ، فكيف إذا انضم إلى غيره فصار كلاماً.
ولما كان الشيء قد يكون مستقيماً بالفعل وهو معوج بالقوة ، قال تعالى: {غير ذي عوج} أي ليس بمنسوب إلى شيء من العوج ولا من شأنه العوج ، فلا يصح أن يكون معوجاً أصلاً في شيء من نظمه ولا معناه باختلاف ولا غيره كما في آية الكهف سواء ، وفي الإتيان بعوج الذي هو مختص بالمعاني بيان أن الوصف له حقيقة ، فهو أبلغ من غير معوج ، لأنه يحتمل إرادة أهله على المجاز.
ولما كان التذكر بالتذكير لكونه أبلغ للوعظ حاملاً ، ولا بد للعاقل على الخوف المسبب للنجاة قال: {لعلهم يتقون} أي ليكون حالهم بعد التذكير الناشئ عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب الله وقاية.