والآية الأخيرة من الآيات الحاسمة في تقرير كون كفر الكافرين وإيمان المؤمنين وما ينشأ عن ذلك من الهدى وعمل الصالحات والضلال والكفر واقتراف الآثام إنما هو من مكتسبات الإنسان وقابليته الاختيارية التي شاء الله أن يودعها فيه. وفي تقرير تنزيه الله عز وجل عن تحتيم الكفر والإثم على أحد تحتيما لا يجعل له مناصا منهما. فهو الغني عن الناس إن كفروا به ولا يرضى بذلك ولا يحبه لهم قط في حين أنه يرضيه منهم أن يعترفوا به ويشكروه ويحبه لهم.
ومع وضوح الآيات ومقاصدها في التنويه بالشكر والتنديد بالكفر فإن أصحاب المذاهب الكلامية تشادوا حولها فقال بعضهم: إن عدم الرضا وعدم الإرادة في معنى واحد وإن الكفر لا يمكن أن يقع بإرادة الله. ورد عليهم مخالفوهم فقالوا: إن هناك فرقا بين الرضا والإرادة ولا يقع في ملك الله إلّا ما أراد وإن كان
لا يرضى عن بعض ما يقع. ونحن نرى التشاد حول الآية تكلفا لا تقتضيه ولا تتحمله ولو كان مقصد كل فريق تقديس الله من وجهة نظره. ونرى الأولى أخذ الآية وأمثالها على مقصدها الواضح فيها وهو الحث على الإيمان والشكر والتنديد بالكفر والتحذير معه.
[سورة الزمر (39) : آية 8]
(وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ(8)
. (1) خوله: بمعنى منحه أو مكنه.
في الآية تنديد بخلق من أخلاق كثير من الناس، فإذا أصاب أحدا ضرر أو أحدق به خطر لجأ إلى الله تعالى وحده واستغاث به فإذا ما استجاب له وكشف عنه ما ألمّ به وبدّله نعمة بعد سوء نسيه وجعل له أندادا وشركاء في الدعاء والعبادة متخليا عن موقفه الأول ضالا بذلك عن سبيل الله. وفي آخر الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لذلك الإنسان وأمثاله تمتع بكفرك قليلا في الدنيا فإنك من أصحاب النار جزاء ما أنت فيه من ضلال وتناقض.
ولقد قال البغوي في صدد نزول الآية: (قيل إنها نزلت في عتبة بن ربيعة.