فمن قال بالأول ، قال: ليأكُلوا ممَّا عملتْ أيديهم ، وهو الغُروس والحُروث التي تعبوا فيها ، ومن قال بالثاني قال: ليأكُلوا ما ليس مِنْ صُنعهم ، ولكنه مِنْ فِعل الحق عز وجل {أفلا يشكُرون} الله تعالى فيوحِّدوه؟!.
ثم نزَّه نفسه بقوله {سبحانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّها} يعني الأجناس كلَّها {ممّا تُنْبِتُ الأرضُ} من الفواكهة والحبوب وغير ذلك {ومِنْ أَنُفسهم} وهم الذكور والإِناث {وممَّا لا يَعْلَمُونَ} من دوابِّ البَرِّ والبحر وغير ذلك ممّا لم يَقِفوا على عِلْمه.
قوله تعالى: {وآيةٌ له الليلُ نَسْلَخُ منه النَّهار} أي: وعلامة لهم تَدُلُّ على توحيدنا وقدرتنا الليلُ نَسلخ منه النهار ؛ قال الفراء: نرمي بالنهار عنه.
و"منه"بمعنى"عنه".
وقال أبو عبيدة: نُخْرِجُ منه النهار ونميِّزه منه فتجيء الظُّلمة ، قال الماوردي: وذلك أنّ ضوء النهار يتداخل في الهواء فيضيء ، فإذا خرج منه أظلم.
وقوله {فإذا هم مُظْلِمونَ} أي: داخلون في الظَّلام.
{والشَّمْسُ} أي: وآيةٌ لهم الشمس {تَجري لِمُسْتَقَرٍّ لها} وفيه أربعة أقوال:
أحدها: إلى موضع قرارها ؛ روى"أبو ذر قال سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله {لِمُسْتَقَرٍّ لها} قال:"مُسْتَقَرُّها تحت العَرْش"، وقال:"إِنَّها تذهب حتى تسجُد بين يَدَي ربِّها ، فتَستأذِنُ في الطُّلوع ، فيؤذَنُ لها""
والثاني: أنَّ مُسْتَقَرَّها مغربها لا تجاوزُه ولا تقصر عنه ، قاله مجاهد.
والثالث: لِوقت واحدٍ لا تعدُوه ، قاله قتاده.
وقال مقاتل: لِوقت لها إِلى يوم القيامة.
والرابع: تسير في منازلها حتى تنتهيَ إلى مُسْتَقَرِّها الذي لا تجاوزُه ، ثم ترجِع إِلى أوَّل منازلها ، قاله ابن السائب.
وقال ابن قتيبة: إلى مُسْتَقَرٍ لها ، ومُسْتَقَرُّها: أقصى منازلها في الغُروب ، [وذلك] لأنها لا تزال تتقدَّم إِلى أقصى مغاربها ، ثم ترجع.