أريد أن أقرر حقيقة إسلامية ربما جهلها البعض: هل رفض حديث آحاد لملحظ ما يعد صدعاً فِي بناء الإسلام؟
كلا فإن سنن الآحاد عندنا تفيد الظن العلمي ، إنها قرينة تستفاد منها الأحكام الفرعية فِي ديننا ، فإذا وجد الفقيه أو المحدث أن هناك قرينة أرجح منها ، تركها إلى الدليل الأقوى دون غضاضة.
وتعريف الحديث الصحيح:"ألا تكون فيه علة قادحة"، فإذا بدت علة فِي"سنده"أو"متنه"تلاشت صحته ، ولا حرج.
وأئمة الفقه الإسلامي بنوا اجتهادهم على هذا النظر الصائب.
ـ فأبو حنيفة مثلاً رفض أن يترك المسلم إذا قتل كافراً دون قصاص وتجاوز حديث البخارى فِي ذلك"لا يقتل مسلم فِي كافر"واعتمد فِي مذهبه على آية"النفس بالنفس".
ـ ومالك كره أن تنفل المصلى قبل فريضة المغرب ، ولم يلتفت لما رواه البخارى فِي ذلك من استحباب صلاة ركعتين لمن شاء ، ورأيه هذا يرجع إلى أن عمل أهل المدينة أدل على السنة من حديث آحاد ، وهم لا يتنفلون قبل المغرب ، فاتباعهم أولى من رواية البخارى.
ـ وأبو حنيفة ومالك جميعاً يكرهون أن يصلى المرء تحية المسجد والإمام يخطب يوم الجمعة ، ويردون ما رواه البخارى فِي ذلك بردود شتى.
ـ وأغلب الأئمة يرفض ما روى.. فِي الصحيح من أن رضاعة الكبار تثبت حرمة المصاهرة ، ويرون أن الرضاعة المثبتة المحرمة ما كان فِي فترة الطفولة ، أي ما أنبت اللحم وشد العظم.
ولا نريد أن ننتقل إلى مباحث فقهية مفصلة ، وإنما نريد أن نقول: هب أن رجلاً قال: لا أستطيع قبول رواية"إذا وقع الذباب فِي شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، فإن فِي إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء"أيكون من الكافرين ؟ كلا !! فلم يقل أحد أن أركان الإسلام تضم الإيمان بالله واليوم الآخر وغمس الذباب فِي الشراب إذا سقط فيه !
وحيث الآحاد ليس مصدر عقيدة شرعية أو حكم قاطع ، بيد أنى من باب استكمال البحث العلمي فقط