وأول من استخرج الخمر جمشيد الملك، فإنه توجه مرة إلى الصيد فرأى في بعض الجبال كرمة، وعليها عنب، فظنها من السموم، فأمر بحملها حتى يجربها، ويطعم العنب لمن يستحق القتل، فتكسرت حباته فعصروها، وجعلوا ماءها في ظرف، فما عاد الملك إلى قصره إلا وقد تخمر العصير، فأحضر رجلًا وجب عليه القتل، فسقاه من ذلك، فشربه بكره ومشقة ونام نومة ثقيلة ثم انتبه، وقال: اسقوني منه فسقوه أيضًا مرارًا، فلم يحدث فيه إلا السرور والطرب، فسقوه غيره وغيره، فذكروا أنهم انبسطوا بعدما شربوه، ووجدوا سرورا وطربا، فشرب الملك فأعجبه، ثم أمر بغرسه في سائر البلاد. وكانت الخمر حلالًا في الأمم السالفة، فحرمها الله تعالى علينا، لأنها مفتاح لكل شر، وجالبة لكل سوء وضر، ومميتة للقلب، ومسخطة للرب.
وقد قيل: خير خلكم خل خمركم. وذلك لأن انقلاب الخمر إلى الخل مرضاة للرب. وفيه خواص كثيرة. وأكثر الناس السعال والتنحنح في مجلس معاوية، فأمر بشرب خل الخمر. والخل ورد فيه «نعم الإدام» ، وقد تعيش به كثير من السلف الكرام، نسأل الله القناعة على الدوام.
{وَفَجَّرْنا} ؛ أي: شققنا وأسلنا {فِيها} ؛ أي: في الأرض {مِنَ الْعُيُونِ} ؛ أي: بعضًا من ماء العيون. فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه أو {مِنْ} زائدة، و {الْعُيُونِ} مفعول به على رأي من جوز زيادتها في الإثبات. وهو الأخفش، ومن وافقه. وقرأ الجمهور {فَجَّرْنا} : بالتشديد. وقرأ جناح بن حبيش بالتخفيف. والفجر، والتفجير كالفتح والتفتيح لفظًا ومعنى.
واعلم: أن تفجير الأنهار والعيون في البلاد، رحمة من الله تعالى، إذ حياة كل شيء من الماء، وللبساتين منه النضارة والنماء. والعيون إما جارية وإما غير جارية، والجارية غير الأنهار، إذ هي أكثر وأوسع من العيون، ومنبعها غير معلوم غالبا كالنيل المبارك، حيث لم يوجد رأسه. وغير الجارية هي الآبار.