عليه أصلاً. إذن المتأمل يرى أن الفقير أحظُّ من الغني، وغير المستطيع أحظُّ من المستطيع. وقد كنا مع بعض الإخوان، فأردنا أنْ نصلي المغرب في مسجد سيدنا الحسين، فلما قُمْنا للصلاة، استوقفنا عم الحاج سيد جلال وقال انتظروا دقيقتين، لأنني أرسلت الولد سليمان يفك لي عشرة جنيهات، فقال أحد الحاضرين معي جنيهات جديدة هَاتِ العشرة جنيهات أفكها لك، فقال الحاج سيد لا، لأن الرجل الذي أنوي أنْ أعطيه لا يأخذ إلا الجنيه الكبير بتاع زمان، ويرفض هذه العملة الجديدة.
فقلت في نفسي سبحان الله، هذا الرجل المجذوب الذي يقعد على باب سيدنا الحسين وصِفته كذا وكذا يُسخِّر أكبر رجل اقتصادي في مصر عم سيد جلال، ومعه الوزير أحمد طعيمة ليوفروا له النقود التي تعجبه. والعجيب أن من هؤلاء مَنْ كان يجلس على باب سيدنا الحسين يضع رِجْلاً على رِجْل، ويمرُّ عليه موكب الوزير والوزراء فلا ينتبه إليهم، ولا هو يلقى بالاً إلى الموكب والحراس والدنيا من حوله، فماذا يعني هذا؟ يعني أنه مشغول بما هو أعظم من هذا كله، وأن الله قد تجلَّى عليه بما أفقده الوعي بالدنيا وبما حوله. لذلك رأى أحد منهم موكباً لأحد الوزراء فقال للآخر والله نحن في لذة، لو علم بها هؤلاء لحاربونا عليها بالسيف، أليس هؤلاء سادة؟ أليسوا أَعِزَّة؟ إذن كل مؤمن يرى مصير المكذِّبين ومصارع الكافرين في هذه القصة وفي أشباهها لا بُدَّ أن يقول هذه الكلمة {يحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} يس 30 لماذا؟ لأن من تمام الإيمان أنْ يتحسَّر المؤمن على مَنْ لم يَذُقْ طعم الفضيلة ولذة الطاعة، فهو مسكين يستحق مَنْ يشفق عليه ويتحسَّر على حاله، والمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، بل ويحب الخير للإنسانية كلها. ثم يقول الحق سبحانه {أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ ...} .
{أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ} * {وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ}