23 -ثم أعاد التوبيخ مرةً أخرى، وساق الكلام المساق الأول، وهو إبراز الكلام في صورة النصيحة لنفسه فقال: {أَأَتَّخِذُ} ؛ أي: أأعبد {مِنْ دُونِهِ} تعالى، {آلِهَةً} آلهة لا تملك من الأمر شيئًا، وهي الأصنام، وهو إنكار ونفي لاتخاذ الآلهة على الإطلاق؛ أي: لا أتخذ من دون الذي فطرني آلهة باطلة لا تنفعني ولا تضرني، فجعل الإنكار متوجهًا إلى نفسه، وهم المرادون به؛ أي: لا أتخذ من دون الله آلهة وأعبدها، وأترك عبادة من يستحق العبادة، وهو الذي فطرني، ثم بيّن حال هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكارًا عليهم، وبيانًا لضلال عقولهم وقصور إدراكهم فقال: {إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ} وقرأ طلحة بن مصرف {إن يزدني} بفتح الياء؛ أي: إن أرادني الرحمن بضرر؛ أي: إن أراد الرحمن أن يصيبني بسوء ومكروه {لَا تُغْنِ عَنِّي} ؛ أي: لا تدفع عني، {شَفَاعَتُهُمْ} ؛ أي: شفاعة تلك الآلهة، {شَيْئًا} من الضرر؛ أي: لا تنفعني شيئًا من النفع، إذ لا شفاعة لهم فتنتفع، فنصب {شَيْئًا} على المصدرية، وقوله: {لَا تُغْنِ} جواب الشرط، والجملة الشرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، {وَلَا يُنْقِذُونِ} ؛ أي: لا يخلصونني من ذلك الضرر والمكروه بالنصرة والمظاهرة، وهو عطف على {لَا تُغْنِ} ، وعلامة الجزم فيه حذف نون الإعراب؛ لأن أصله لا ينقذونني، وهو تعميم بعد تخصيص مبالغةً بهما في عزهم وانتفاء قدرتهم.
قال الإِمام السهيلي: ذكروا أن حبيبًا كان به داء الجذام، فدعا له الحواري فشفي، فلذلك قال: إن يردن الرحمن. الخ انتهى. وقال بعضهم: إن المريض كان ابنه إلا أن يقال: لا مانع من ابتلاء كليهما، أو أن مرض ابنه في حكم مرض نفسه، فلذا أضاف الضر إلى نفسه، ويحتمل أن الضر ضر القوم؛ لأنه روي شفاء كثير من مرضاهم على يدي الرسل، فأضافه حبيب إلى نفسه على طريقة ما قبله من الاستمالة، وتعريفًا للإحسان بهم بطريق اللطف،