والمعنى: وجاءَ من أَبعد موضع في المدينة رجل من أَهلها يسرع في عدوه، ويجد في سيره إثر تورط قومه في تهديد الرسل، وارتفاع أصواتهم بتوعدهم، ينصحهم حرصا على هدايتهم، وخوفا على الرسل منهم، قال بنداء يتأَلف به قلوبهم: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} أَي: صدقوا وأَجيبوا المرسلين الذين أَرسلهم الله لدعوتكم وهدايتكم، وتحريركم من الشرك، وعبادة الأَوثان.
{اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} أَي: أَجيبوا دعاء من لا يبتغون من وراء دعوتكم أَجرا ولا يطلبون على إجابتها نفعا ولا كسبا، وإنما يقومون بها امتثالا لأَمر الله، ورجاءً في هدايتكم وإرشادكم إِلى ما فيه استقامة دنياكم، وسعادة آخرتكم، وحسبكم في صدقهم وتصديقكم لهم أنهم يدعونكم لما هم مهتدون إليه، طامعون أَن يكون لكم من الخير والهداية ما يرجونه لأَنفسهم دون أَن يطلبوا على ذلك أَجرا، وذلك دليل على صدقهم.
قال وهب: كان حبيب مجذوما ومنزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان يعكف على عبادة الأصنام سبعين سنة، وكان يدعوهم لعلهم يرحمونه، ويكشفون ضره، فما استجابوا له: فلما أَبصر الرسل دعوه إِلى عبادة الله، فقال: هل من آية؟ قالوا: نعم، ندعو ربنا القادر يفرج عنك ما بك، فقال: إن هذا لعجيب!!! أدعو هذه الآلهة سبعين سنة تفرج عني فلم تستطع، فكيف يفرجه ربكم في غداة واحدة؟؟ فقالوا: نعم، ربنا على ما يشاءُ قدير!! وهذه لا تنفع شيئا ولا تضر، ودعوا ربهم فكشف الله عنه كأن لم يكن به بأس، فآمن وأقبل على التكسب، فإذا أمسى تصدق من كسبه، فأَطعم عياله نصفا، وتصدق بنصف. فلما هم قومه بقتل الرسل جاءَ فنصحهم - والله أعلم بصحة هذا الخبر.
{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) }
المفردات:
{فَطَرَنِي} : خلقني وابتدأ وجودي، من: فطر البئر إذا ابتدأَ حفرها.
{تُرْجَعُونَ} : تردون من الموت إِلى الحياة بالبعث.
التفسير