وإنما اختير هذا ؛ لأن ما قبله وما بعده في ذكر أحوالهم في الدنيا ، وجعله أبو حيان لبيان أحوالهم في الآخرة ، على أنه حقيقة لا تمثيل فيه ، فورد عليه أن يكون أجنبياً في البين ، وتوجيهه بأنه كالبيان لقوله: {حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} [يس: 7] ، والأول أدق ، وبالقبول أحق .
{وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ} أي: خوفتهم بالقرآن: {أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} أي: لا يريدون أن يؤمنوا ، ولما صدقت الآية على مثل أبي جهل وأصحابه من كفرة قريش ، الذين هلكوا في بدر ، وكانوا طواغيت الكفر ، أشار بعضهم إلى أن الآية نزلت في ذلك .
{إِنَّمَا تُنذِرُ} أي: الإنذار المترتب عليه النفع: {مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ} أي: القرآن بالتأمل فيه والعمل به: {وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ} أي: عمل الصالحات لوجهه ، وإن كان لا يراه
{فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ} أي: لذنوبه في الدنيا: {وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} أي: ثواب حسن في الجنة .
{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} أي: للبعث: {وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أي: نحفظ عليهم ما أسلفوا من الخير والشر: {وَآثَارَهُمْ} أي: ما تركوه من سنة صالحة ، فعُمل بها بعد موتهم ، أو سنة سيئة فعُمل بها بعدهم: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} أي: في اللوح المحفوظ ، أو العلم الأزلي .