آلاف الشعلات، أينقص من ضوء المصباح شيء؟ وهكذا رَدّ الشعبي، وأُعجب به القوم، وكتبوا له كتاباً يُوصله إلى أمير المؤمنين، وكأنهم حسدوا أمير المؤمنين أن تكون مثل هذه العقلية وهذه الموهبة في خدمته، وكان في الكتاب عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي، كيف يُولُّون غيره؟ فلما ذهب الشعبي وسلَّمه الكتاب قرأه أمير المؤمنين، وقال للشعبي أتدري ما في الكتاب؟ قال لا يا أمير المؤمنين.
قال اقرأ، فقرأ الشعبيُّ العبارة عجبتُ لقوم فيهم مثل الشعبي كيف يُولُّون غيره؟ فقال نعم يا أمير المؤمنين، لأنه لم يَركَ، ولو رآك لغيَّر رأيه. والمتأمل في مسألة الإنذار يجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنذارين عام للعالمين جميعاً، وهو إنذار بلاغ من الله للجميع المؤمن والكافر، وهو الذي قال الله فيه
{إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ..}
فاطر 24 فالذين يؤمنون بالله ينتفعون بالإنذار، وينتفعون بالبشارة، والذين لا يؤمنون لا ينتفعون من ذلك بشيء. والإنذار الآخر إنذار خاص بمَنْ خَشِي الرحمن بالغيب، وهو إنذار القبول، وينتفع به مَنْ خشي الرحمن بالغيب، فالذين لا يخشوْن ربهم سبق أن أُنذروا، لكن إنذار بلاغ، فلم ينتفعوا به لذلك لم يشملهم الإنذار الخاص. وقوله سبحانه {فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} يس 11 قلنا إن البشارة إخبار بالخير قبل أوانه ليحفزك إلى أسباب الخير ويُطعمك فيها، وتلحظ هنا أن المغفرة سبقتْ الأجر، لماذا؟ قالوا لأن الحق - سبحانه وتعالى - قبل أن يُعطيك النعمة يصرف عنك العذاب أولاً لأن التخلية كما قلنا تسبق التحلية، ثم إن المغفرة دائماً هي جزاء الإيمان بالله، أما الأجر فجزاء العمل بمنهج الله لذلك قال سبحانه
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}