وهذه الخشية لله تكون بالغيب يعني الإيمان بالغيب، والله تعالى نؤمن به سبحانه وهو غيب، والغيب كما قلنا ما غاب عنك ولا يوجد في الكون طريق يُوصِّلك إليه ولا مقدمات، فنحن نعرف مثلاً في حل تمارين الهندسة أو النظرية الفرض والمعطيات والمطلوب، فالمعطيات والمقدمات تُوصِّلك للغاية وللمطلوب. لذلك تجد أن علم الغيب ينقسم إلى قسمين غيب استأثر الله به، لا يُظهِر عليه أحداً إلا مَنِ ارتضى من رسول، ولم يجعل لهذا النوع من الغيب مقدمات تُوصَل إليه وتدلّ عليه، وهناك غيب له مقدمات تدلُّك عليه، فإنِ استخدمتَ هذه المقدمات توصَّلْتَ بها اليوم إلى ما كان غيباً بالأمس، وينبغي عليك أن تستدلّ بالغيب الذي صار مشهداً لك على أنْ تصدق بالغيب الذي لم تدرك غيبه، ولا سبيل لك إليه، ينبغي أنْ يحفزك ما ترى على أنْ تؤمن بما لم تَرَهُ. وقلنا إن هذا النوع من الغيب وهو الغيب الذي له مقدمات تُوصِّل إليه، له ميلاد يظهر فيه، فإنْ صادف هذا الميلاد بحثاً من البشر، وكان البحث سبباً في ظهوره، وإلا أظهره الله مصادفة، كما جاءت أغلب الاكتشافات التي تخدم البشرية الآن مصادفة لأن ميلاد الغيب جاء وبحثُك عنه لم يجئ. والمؤمن هو الذي يزداد إيمانه بالغيب حين يستدل بما ظهر له على ما لم يظهر، ومن العلماء والموهوبين من الناس مَنْ يفسر لك الغيب الذي لم يأتِ أوانه بشيء موجود بالفعل، ومن ذلك ما رُوِي أن الروم أرسلتْ إلى أمير المؤمنين أنْ يرسل إليهم عالماً يفقههم في أمور الدين، فأرسل إليهم الشّعْبي فجعلوا يسألونه فيما يَخْفَى عليهم من الدين، وكان مما عرضوه عليه أن الإنسان حين يُنعَّم في الجنة يأكل ولا يتغوَّط، فكيف يكون ذلك؟ فرد الشَّعْبي بما عنده من الإشراقات التنويرية التي يفتح الله بها على مَنْ يشاء. وقال لهم أرأيتم الجنين في بطن أمه، إنه يتغذى وينمو دون أنْ يتغوط، ولو تغوَّط في مشيمته لاحترق، كذلك الإنسان في الجنة يأكل ولا يتغوَّط لأنه يتغذى بطهي الله له، فالله يعطيه بقَدَر بحيث لا يبقى شيء يتغوّطه الإنسان، أمّا نحن فنأكل بطهينا لأنفسنا، ولا نأكل بقدْر الحاجة، لذلك نتغوط. قالوا له زعمتم أنكم تأخذون من الجنة ما تشاءون دون أنْ ينقص منها شيء، فكيف ذلك؟ قال لأن الشيء ينقص بالأخذ منه حين لا يكون له مدد من الغير، فإنْ كان له مدد لا ينقص، والمدد في الجنة مِن الله، فكيف يتأتى النقصان؟ شيء آخر لو جئتَ إلى المصباح فأخذتَ مه شعلة، بل