المجادلة 8 وعجيب منهم بعد أنْ فضحهم القرآن، وأخبرهم بما يدور في نفوسهم ألاَّ يؤمنوا به، وألاَّ يسألوا أنفسهم مَنِ الذي أخبر محمداً بما في نفوسنا، ولو لم يكُنْ منهم هذا القول في أنفسهم بالفعل لواجهوا محمداً، ولقالوا لم يحدث منا هذا. لذلك الذين أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع إخباره بمغيبات لا تقع عليها عقول البشر أنكروا رسالته، ولكنهم أرادوا أن يُثبتوا له فوق الرسالة أنه إله يخبر بالشيء قبل حدوثه، فهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم أنا رسول وهم يريدونه إلهاً. القول السابق وقع على هؤلاء لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم يكذبون ويعاندون {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} يس 7 لذلك يقولون إن للملائكة تعجباً، قالوا وما تعجُّب الملائكة. قالوا ساعة تقع في كون الله حركةٌ يجدون خبرها عندهم في الكتاب، فيقولون ما أعلم ربنا وأقدره، يعني ما أخبر الله به، وقع كما أخبر تماماً، مع أن العباد لهم حرية الاختيار. ولما حاول الفلاسفة عَرْض هذه المسألة {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} يس 7 قالوا الحق سبحانه وتعالى حين ترك الأمر للمكلَّف بالاختيار لأن الإنسان نفسه قَبِل أنْ يكون مختاراً لم يلزمه الله بشيء، على خلاف السماوات والأرض والجبال، فقد رفضتْ هذا الاختيار، واخترت أن تكون مُسخَّرة لله، مقهورة لإرادته سبحانه. يقول تعالى
{إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}