فقوله (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند) نفى الواحد والاثنين والجمع لأنه نفى اسم الجنس الجمعي ولو جاء بالجنود لم ينف الواحد والاثنين فكان ما ذكره أولى من كل وجه.
واختار (ما) للنفي على (لم) فلم يقل ولم ننزل وذلك لأن (ما) أقوى في النفس من (لم) . وقد أكد النفي أيضاً بذكر (من) الاستغراقية المؤكدة فأكد النفي باستعمال الحرف (ما) واستعمال (من) الاستغراقية. وهناك أمر آخر حسّن ذكر (ما) دون (لم) وهو ذكر (من) الاستغراقية فإن القرآن لم يأت البتة بـ (من) الاستغراقية مع (لم) بخلاف (ما) .
وقال (من السماء) ولم يقل من السماوات لأن السماء أعم وأشمل من السماوات فهي تشمل السماوات وتشمل أيضاُ الجو والسحاب وما علاك على وجه العموم فهي تشمل السماوات وزيادة فكان ذلك أشمل وأعم. كما ناسب ذكر (من) الاستغراقية ذكر السماء فإن كليهما للإستغراق والعموم.
وقد تقول: وما الحاجة إلى ذكر (السماء) ومهو لم ينزل عليهم جنداً أصلاً لا من الأرض ولا من السماء؟ فتقول: أنه ذكر أنه لم ينزل عليهم جنداً من السماء وإنما أهلكهم بصيحة منها فالسماء هي مبدأ إنزال العذاب لكن ليس بالجند وإنما بالصيحة.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أنه لو لم يذكر السماء لكانت الآية على النحو الآتي: وما أنزلنا على قومه من بعده من جند ما كنا منزلين. وهذا المعنى لا يصح لأن قوله (وما كنا منزلين) ينفي إنزال الجنود على أية حال سواء كان من السماء أم من غيرها. في حين أن الله سبحانه أنزل جنوداً وأقواماً على آخرين فحاربوهم ودفع بعضهم ببعض وعاقب بعضهم ببعض. وكل إتيان من مكان عال فهو نزول أو إنزال. وكل حرب حصلت بين قومين أو أقوام وانحدر أحدهما من مكان عال فهو نزول. وقد يعذب الله بعض الناس ببعض ويدفع بعضهم ببعض ويبثع بعضهم على بعض كما قال تعالى (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع(40) الحج) وقال (فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي باس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعد الله مفعولا(5) الإسراء).
ولا يخلو ذلك من إنزال جند وكان يأجوج ومأجوج ينزلون من الجبل فيفسدون في الأرض. فلو حذف (من السماء) لم يستقم المعنى ولم يصح. هذا وأنه لو حذف أي قيد لم يصح المعنى فإن الآية هي: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ(28 ) )