وقال (على قومه) بإضافة القوم إلى ضمير الرجل القتيل ذلك أن هذا الرجل أضافهم إلى نفسه فقال لهم (يا قوم اتبعوا المرسلين) فهم قومه وقد دعاهم بـ (قوم) ليتعطفهم ويدعوهم إلى ما يحييهم فقتلوه فقتلهم ربه سبحانه.
وقال (من بعده) ولم يقل بعده للدلالة على أنه أنزل العذاب عليهم بعده مباشرة ولم يمهلهم. فإن (من) تفيد ابتداء الغاية. ولو قال وما أنزلنا على قومه بعده لاحتمل الزمن القصير والطويل فجاء بـ (من) ليدل على أنه عاجلهم بالعقوبة من دون إمهال.
جاء في البحر المحيط:"وقوله (من بعده) يدل على ابتداء الغاية أي لم يرسل إليهم رسولاً ولا عاتبهم بعد قتله بل عاجلهم بالهلاك".
وقال (من جند) فجاء بـ (من) الدالة على الاستغراق ليدل على أنه لم ينزل جنداً قلّوا أو كثروا. فقد استغرق نفي الإنزال كل الجند ولو لم يذكر (من) لاحتمل نفي إنزال الجنس ونفي الوحدة فقد يحتمل أنه أنزل جندياً أو جنوداً كما يحتمل أنه لم ينزل أصلاً.
واختار كلمة (جند) على (ملك) لأنه في مقام العقوبة والمحاربة فكان اختيار لفظ جند أنسب فإن قومه حاربوا الله ورسوله فحاربهم الله سبحانه من غير جند. واختار الجند على الجنود فقال (من جند) ولم يقل (من جنود) ذلك أن الجنود جمه جند فإن الجند يجمع على أجناد وجنود. ونفي الجند يعني نفي الجنود أنا نفي الجنود فلا يعني نفي الجند. ذلك أن نفي الواحد مع (من) الاستغراقية يعني نفي الجنس كله بخلاف نفي الجمع. فإنه إذا قال (ما أنزلنا من جند) فإن هذا ينفي إنزال الجند والجنود. ونحوه إذا قل ما حضر من رجال فإنك نفيت الجمع ولكن لم تنف الواحد أو الاثنين فقد يكون حضر رجل أو رجلان أما إذا قلت ما حضر من رجل فقد نفيت الجنس على سبيل الاستغراق سواء كان واحداً أم مثنى أم جمعاً فلم يحضر أحد. فقوله (من جند) نفى إنزال الجند والجنود ولو قال من جنود لم ينف إنزال الجند فكان ما ذكره أعم واشمل.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن الجند اسم جنس جمعي مفرده جندي فالياء للواحد وحذفها يفيد الجنس مثل رومي وروم وزنجي وزنج. أما الجنود فجمع تكسير ومن المعلوم أن اسم الجنس يقع على القليل والكثير فهو يقع على الواحد والاثنين والجمع فإنك إذا عاملت رومياً واحداً أو روميين جاز لك أن تقول عاملت الروم أما الجمع فلا يصح فيه ذلك وإنما يقع على الجمع فقط.