وهو تقدير لا يصح لأن (من) في (من جند) زائدة، ومذهب البصريين غير الأخفش أن لزيادتها شرطين: أحدهما أن يكون قبلها نفي أو نهي أو استفهام والثاني أن يكون بعدها نكرة. وإن كان كذلك فلا يجوز أن يكون المعطوف على النكرة معرفة. لا يجوز (ما ضربت من رجل ولا زيد) وأنه لا يجوز (ولا من زيد) وهو قدر المعطوف بـ (الذي) وهو معرفة فلا يعطف على النكرة المجرورة بـ (من) الزائدة"."
ورد أبو حيان فيه نظر فإن العطف في نحو هذا غير جائز غير أنه لا يعطف على اللفظ وإنما يعطف على الموضع. فإنه لا يصح أن نقول (ما جاءني من امرأة ولا محمود) بجرّ محمود وإنما نقول برفع محمود. ولا يصح أن نقول (ما رأيت من امرأة ولا خالدٍ) بجرّ خالد وإنما نقول (ما رأيت من امرأة ولا خالداً) بالنصب لأنه لا يمكن توجه العامل إلى المعرفة.
جاء في المغني في بحث (العطف على اللفظ) :"وشرطه إمكان توجه العامل إلى المعطوف فلا يجوز في نحو (ما جاء من امرأة ولا زيد) إلا الرفع عطفاً على الموضع ولأن (من) الزائدة لا تعمل في المعارف".
ونحو هذا يكون العطف على اسم لا النافية للجنس فإن اسم _لا) هذه لابد أن يكون نكرة فإن عطفت عليه معرفة تعيّن رفعه لأن (لا) لا تعمل في المعارف نحو (لا امرأة فيها ولا زيدٌ) بالرفع فإنه لا يصح في _زيد) النصب أو بناؤه على الفتح. وعلى هذا فما المانع في الآية أن تكون (ما) معطوفة على الموضع فتكون (جند) مجرورة و (ما) منصوبة مثل (ما رأيت من امرأة ولا زيدا) ؟ والمعنيان صحيحان يحتملهما النعبير ويتسع لهما معاً فيكون ذلك من التوسع في المعنى.
وقد أسند الإنزال إلى نفسه فقال (وما أنزلنا) ليدل على أنه هو الذي أنزل العقوبة فهو الذي أرسل الرسل وهو الذي عززهم بثالث وقد أسند ذلك إلى نفسه فقال (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) فناسب أن يسند الإنزال إلى نفسه أيضاً ليدل على أن الجهة المرسلة والمعاقبة واحدة لا يليق أن يكون هو المرسل والمعاقب غيره. جاء في التفسير الكبير في قوله (وما أنزلنا) :"قال ههنا (وما أنزلنا) بإسناد الفعل إلى نفسه. وقال في بيان حال المؤمن (قيل ادخل الجنة) بإسناد القول إلى غير مذكور وذلك لأن العذاب من باب الهيبة فقال بلفظ التعظيم. وأما في (ادخل الجنة) فقال: (قيل) ليكون هو كالمهنأ بقول الملائكة حيث يقول له كل ملك وكل صالح يراه ادخل الجنة خالداً فيها".