ومنه قوله تعالى في حكاية مقالة الرجل المؤمن الذي كان يدعو قومه من أهل أنطاكية قال: {قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}
قال: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي} ، فجاء بكلامه على طريقة التكلم، ثم قال: {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، وكان السياق أن يقول: وإليه أرجع ولكنه جاء على طريقة الالتفات، وفيه شدة تحذير لهم، وتنبيه إلى أنهم صائرون إلى الله وراجعون إليه، ولا يتأتى هذا لو قال: وإليه أرجع، الالتفات فيه مواجهتهم بصيرورتهم إلى
من يكفرون به، وكأنه يقول لهم: كيف لا تتقون من يئول أمركم إليه وتسألون بين يديه؟
(فائدة)
ذكر السكاكي من صور التعريض، وإن لم يكن بطريق - إن - قوله تعالى على لسان حبيب النجار {وَمَا لِيَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ، والمراد: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم، وإليه ترجعون؛ لأنه لو كان على ظاهره لقال: ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه أرجع، وقد سيقت هذه الآية في شواهد الالتفات؛ لأنه انتقل فيها من التكلم إلى الخطاب، ومثلها قوله تعالى: {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ، إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} . إذ المراد: أأتخذ من دونه آلهة إن يردكم الرحمن بضر
لا تغني عنكم شفاعتي شيئا، ولا ينقذونكم إنكم إذن لفي ضلال مبين، ولذلك قال: آمنت بربكم دون ربي.
ويقول البلاغيون في فضل هذا الأسلوب وقيمته في الدعوة:"ووجه حسنه تطلب أسماع المخاطبين الذين هم أعداء المسمع الحق على وجه لا يورثهم مزيد غضب، وهو ترك التصريح بنسبتهم إلى الباطل ومواجهتهم بذلك، ويعين على قبوله لكونه أدخل في أمحاض النصح لهم، حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه".
والواضح أن التعريض في هذه الأساليب، ودلالته الرفاضة ليس مناطه، هو وقوع الماضي بعد"إن"كما يقول السكاكي؛ لأننا لو جئنا بالمضارع مكان الماضي لبقيت دلالة التعريض، فلو قلنا: لئن تشرك ليحبطن عملك لبقيت الدلالة تعريضية بالنسبة إلى غير المخاطب صلى الله عليه وسلم.