فقد وضح إذن كيف تتكاثر عناصر التوكيد وفقا لتصاعد أحوال الإنكار في هذا الحوار القرآني الخصب الذي يحتاج إلى تأمل، ومراجعة تكتشف فيه طبيعة العقلية المعاندة؟ وكيف كانت تنحرف في حوارها عن طلب الحقيقة، ومنهج الاحتجاج القويم؟ فلم يطلبوا من الرسل - عليهم السلام - برهانا على دعواهم كما يفعل الراغبون في التعرف على الحق، وإنما رفضوا الدعوى وكان رفضهم مبنيا على مسلمة خاطئة هي رفض بشرية الرسول، وهكذا عقلية الجاهلية في كل زمان تعتقد مسلمات، وتحاول ترسيخها في عقول الجماعات من غير أن تأذن لنور البصيرة، والحجة بمناقشتها وتمحيصها، ثم تجعل هذه المسلمات أساس حوارها في بث الجاهلية، وتضليل الجماعات، ثم تأمل كيف جرى التناقض على ألسنتهم من حيث لا يشعرون؟ فهم يقولون: {وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ} ، فذكورا أن الله لم ينزل شيئا بهذا العموم وهذا الإطلاق، ثم ذكروا ذا الجلال بصفة الرحمة وهي صفة تقتضي إرسال الرسل عليهم السلام؛ لأن رسالتهم رحمة، فكيف يمسك الرحمن عن هداية خلقه، ثم تأمل كيف يتركون قية الخبر، ويهاجمون شخص المخبر؟ ويقولون: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} ، وكم يشيع الجبابرة، والطغاة قالة السوء عن دعاة الخير والحق؟ ثم تأمل الجانب الآخر ي الحوار تجد دعاة الحق لم يتأثروا بتلك الانحرافات في أسلوب تعاملهم مع الجاهلية الرافضة لعدل الله في الأرض، وإنما ظلوا محافظين على طريق الصواب، فكرروا القضية التي هي أساس الحوار، وواجهوهم بما يهربون منه، فقالوا في تصميم وإيمان: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ، أقول: إن هذا ومثله مما يجب على دارس بلاغة القرآن، وآداب اللغة أن يطيل النظر فيه، وما أعظم هذا المثل وما أروع دلالته على ما نحن فيه، راجع وتأمل، وانظر حولك، واقرأ الواقع الحي كما تقرأ الكتاب.
{وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) }
(الانتقال من التكلم إلى الخطاب)