قوله عز وجل: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً} (صيحة) خبر كان، واسمها مضمر فيها، أي: ما كانت العقوبة أو الأخْذة إلا صيحةً واحدةً، صاح بهم جبريل عليه السلام فماتوا عن آخرهم. وقرأ ابن القعقاع: (صَيْحَةٌ واحدَةٌ) بالرفع، على كان التامة، أي: ما وقعت إلا صيحةِّ واحدةٌ، وأنكرت النحاة الرفع وضعفوه، لأجل تأنيث الفعل، وقالوا: القياس فيه وفي نظائره تذكيره، ألا ترى أنك إذا قلت: ما قامت إلا هند، كان ضعيفًا، والجيد: ما قام إلا هند، وذلك أن الكلام محمول على معناه، أي: ما قام أحد إلا هند. وكان هنا معناه: ما وقع شيء إلا صيحة، فلما كان هذا هو المراد اختاروا تذكير لفظ الفعل إرادةً له وإيذانًا به. ولكنه نَظَرَ إلى ظاهر اللفظ، وأن الصيحة في
حكم فاعل الفعل فأنث الفعل لذلك، ومثله قراءة من قرأ: {فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ} بالتاء في (ترى) النقط من فوقه، وهو الحسن، وعليه قول ذي الرمة:
530 -... فَمَا بَقِيَتْ إِلاَّ الصُّدُورُ الجَرَاشِعُ
والقياس فيهما تذكير فعلهما، لأن المراد: لا يُرى شيءٌ إلا مساكنهم، وما بقي شيء منها إلا الصدور.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- وغيره: (إِلَّا زَقْيَةً واحدةً) ، من زَقَا الطائر يَزْقُو ويَزْقِي زَقْوًا وزَقْيًا وزُقاء، إذا صاح.
وقوله: {فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} (إذا) للمفاجأة، وهي مكانية، وما بعدها مبتدأ وخبر، أي: فبذلك المكان هم خامدون، أي: ميتون، خمدوا كما تخمد النار فتعود رمادًا، كما قال لبيد:
531 -وَمَا المَرْءُ إِلَّا كَالشِّهَابِ وضَوْئِهِ ... يَحُوُرَ رَمَادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ
{يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (30) } :
قوله عز وجل: {يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ} الجمهور على تنوين (حسرةً) ، وفيه وجهان: