كما أنه في الوقت ذاته عامل مطمئن ، فلا يقلق الفرد خيفة أن يؤخذ بجريرة الجماعة ؛ فيطيش وييئس من جدوى عمله الفردي الطيب. ما دام قد أدى واجبه في النصح للجماعة ومحاولة ردها عن الضلال بما يملك من وسيلة.
إن الله سبحانه لا يحاسب الناس جملة بالقائمة! إنما يحاسبهم فرداً فرداً ؛ كل على عمله. وفي حدود واجبه. ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده. فإذا قام بقسطه هذا فلا عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها ، فإنما هو محاسب على إحسانه. كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح. فالله لا يحاسب عباده بالقائمة كما أسلفنا!
والتعبير القرآني يصور هذه الحقيقة على طريقة التصوير في القرآن ، فتكون أعمق وأشد أثراً. يصور كل نفس حاملة حملها. لا تحمل نفس حمل أخرى. وحين تثقل نفس بما تحمل ثم تدعو أقرب الأقرباء ليحمل عنها شيئاً ، فلن تجد من يلبي دعاءها ويرفع عنها شيئاً مما يثقلها!
إنه مشهد القافلة كل من فيها يحمل أثقالها ويمضي في طريقه ، حتى يقف أمام الميزان والوزّان! وهي في وقفتها يبدو على من فيها الجهد والإعياء ، واهتمام كل بحمله وثقله ، وانشغاله عن البعداء والأقرباء!
وعلى مشهد القافلة المجهدة المثقلة ، يلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
{إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة} ..
فهؤلاء هم الذين يفلح فيهم الإنذار. هؤلاء الذين يخشون ربهم ولم يشاهدوه. ويقيمون الصلاة ليتصلوا بربهم ويعبدوه. هؤلاء هم الذين ينتفعون بك ، ويستجيبون لك. فلا عليك ممن لا يخشى الله ولا يقيم الصلاة.
{ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه} ..
لا لك. ولا لغيرك. إنما هو يتطهر لينتفع بطهره. والتطهر معنى لطيف شفاف. يشمل القلب وخوالجه ومشاعره ، ويشمل السلوك واتجاهاته وآثاره. وهو معنى موح رفاف.
{وإلى الله المصير} ..