وقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} فيه حذف الموصوف للعلم به أي: ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ، فإن قيل: كيف التوفيق بين هذا وبين قوله تعالى {وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم} ؟ (العنكبوت: (
أجيب: بأن تلك الآية في الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال إضلالهم وكل ذلك أوزارهم وليس فيها شيء من أوزار غيرهم. {وإن تدع} أي: نفس {مثقلة} أي: بالوزر {إلى حملها} أي: من الوزر أحداً ليحمل بعضه {لا يحمل} أي: من حامل ما {منه شيء} أي: لا طواعية ولا كرهاً بل لكل امرئ شأن يغنيه {ولو كان} ذلك الداعي أو المدعو للحمل {ذا قربى} لمن دعاه.
فإن قيل: ما الفرق بين معنى قوله تعالى {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ومعنى قوله تعالى {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} ؟
أجيب: بأن الأول: في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها ، والثاني: في أن لا غياث يومئذ بمن استغاث حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لَوْدَعت إلى أن تخفف بعض وزرها لم تجب ولم تغث ، وإن كان الداعي أو المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ قال ابن عباس: يلقى الأب أو الأم ابنه فيقول: يا بني احمل عني بعض ذنوبي فيقول لا أستطيع حسبي ما علي.
تنبيه: أضمر الداعي أو المدعو بدلالة إن تدع عليه.
ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمعهم ذلك فلم ينفعهم نزل {إنما تنذر} أي: إنذاراً يفيد الرجوع عن الغي {الذين يخشون ربهم} أي: المحسن إليهم فيوقعون هذا الفعل في الحال ويواطئون عليه في الاستقبال ، ولما كان أولى الناس عقلاً وأعلاهم همة من كان غيبه مثل حضوره قال تعالى {بالغيب} وهو حال من الفاعل أي: يخشونه غائبين بين عنه أو من المفعول أي: غائباً عنهم.